كتب الدكتور سليمان عمَّار* من منظّمة "أطباء بلا حدود" مقالاً تحت عنوان: "ذكريات طبيب لبناني في أفغانستان... يمكنك إنقاذ حياة إنسان كل يوم!"، يروي فيه تجربته في أفغانستان، جاء فيه:
كان من المفترض أن تكون أفريقيا الوسطى أو جنوب السودان وجهتي ولكنَّ قطار الحياة حطَّ رحاله في أفغانستان، وعلى الرغم من أنني كنتُ أترقب خوض تجربةٍ في بلدٍ مختلف بعيدٍ عن دول الشرق الأوسط وقارة آسيا، إلاَّ أني لم أتردد في الاستفادة من هذه الفرصة. سبقَ أن درست الطب وتخصصت في الجراحة العامة، وعملتُ خلال السنوات الغابرة في سوريا حتى عام 2014، ثمَّ انضممت في أيار 2015 إلى الفريق الطبي التابع لمنظمة أطباء بلا حدود في لبنان كطبيب عام ومدير للأنشطة الطبية في مشاريع جنوبي وشمالي لبنان، لكني أردت تحدياً جديداً، قبل السفر إلى أحد مشاريع المنظمة في أفغانستان ما شكَّل نقطة تحول في مساري المهني والشخصي.
معاناة الناس في أفغانستان!
ساعات من السفر الطويل مرَّت قبل الوصول إلى العاصمة كابل، بعد دخولنا الأجواء الأفغانية نظرتُ من نافذة الطائرة لرؤية طبيعة هذه المدينة، ظهرت الجبال منتشرةً في كل الوجهات شبه قاحلة وجرداء، وبين الظروف الطبيعية الصعبة والظروف السياسية الأصعب فهمتُ ما يعانيه الشعب الأفغاني، وتيقنت جيداً بعد تعرفي إليهم أكثر أنَّهم شعب قوي رغم كل ما يحيط بهم من ظروف. هم أناسٌ طيبون ويعاملون ضيوفهم بطريقة مميزة وفريدة، يقدرون الغريب، ويحترمون معنى الصداقة. كما أنَّ القواعد السلوكية التي تَحيكُ حياتهم تتسمُ بالمعاملة الجيدة والكرم.
أحمد شاه بابا إحدى ضواحي كابل كانت المنطقة التي تواجدت فيها طيلة إقامتي في أفغانستان، مدَّة ستة أشهر، من شهر نيسان إلى شهر تشرين الأول من العام 2017، حيث شغلت منصب المدير الطبي لمستشفى أحمد شاه بابا الذي يحتوي على 69 سريراً والذي تديره منظمة أطباء بلا حدود بالشراكة مع وزارة الصحة العامة. وتشمل الخدمات التي يقدّمها المستشفى جناح أمومة هائل إذ يبلغ عدد الولادات فيه في الشهر الواحد 1.700 طفل، وغرفة طوارئ وغرفة عمليات وقسم طب أطفال وجناح لعلاج سوء التغذية وقسم للعيادات الخارجية ينفّذ برنامجاً مخصصاً للأمراض غير السارية. يوظّف المستشفى حوالى 450 شخصاً.
ويعرب سكان أحمد شاه بابا عن تقديرهم لأهمية الخدمات المقدّمة في المستشفى الذي يعتبر ملجأً للكثيرين الذين يأتون من كافة أنحاء كابل ويجتازون مسافات طويلة للوصول إلى المستشفى وذلك لثقتهم بالخدمات المقدّمة وضمانهم أن الرعاية الصحية الموفّرة مجانية تماماً.
ومن بين المرضى الذين أذكرهم جيداً طفل وصل في وضع صعب إلى المستشفى في أحد الأيام بعد أن وقع عن الشجرة، وقد قاد أهله السيارة لأكثر من 3 ساعات للوصول إلينا، رغم الخطر على حياته، فورَ وصولهم قالوا لنا: "نحن نثق بكم وبالرعاية التي تقدمونها" ولذلك لجأنا إليكم بدل التوجه إلى أحد المستشفيات المحلية القريبة.
نظام صحي متدهور عقب سنوات من الحرب
بشكل عام، تعدّ الاحتياجات الطبية في أفغانستان هائلة. والنظام الصحي لا يعمل في عدة أجزاء من البلاد والكثير من العائلات تصارع للحصول على الحد الأدنى من الرعاية الطبية. هذا ورعاية الحالات الأكثر تعقيداً يعدّ بالطبع أكثر صعوبة مع اضطرار الكثير من الناس إلى التوجه إلى العيادات الخاصة الباهظة الثمن. فإن أخذنا مثال رعاية الأمومة، تعتبر أفغانستان من بين الدول التي تسجّل أعلى نسب وفيات الأمهات والأطفال في العالم وذلك بسبب توليد النساء في المنازل من دون اللجوء إلى مساعدة أخصائيين محترفين. بالإضافة إلى ذلك، وعلماً بأن معدّل الأطفال الذين تلدهم كل امرأة يبلغ 6.6 أطفال، تعتبر المخاطر المرتبطة بعدم التمكن من الحصول على الرعاية الصحية هائلة. ولحسن الحظ، لطالما شعرت بأن منظمة أطباء بلا حدود تحدث بالفعل تغييراً ملحوظاً في حياة الناس، فيكفي أن أنظر إلى الأنشطة التي أُنجِزت في اليوم السابق وألاحظ أن عدد الولادات بلغ 60 طفلاً. كما أن الرقم القياسي الذي شهدته خلال عملي هنا بلغ 96 طفلاً، ما يشكّل عدداً هائلاً من الأطفال والنساء الذين يتلقون المساعدة في مساحة صغيرة وخلال وقت قصير جداً. والخدمات التي نقدّمها قد تبدو أولية لبعض الناس لكنها بالفعل منقذة للحياة.
وخارج جناح الأمومة، استغربت من أن الأطفال يموتون من سوء التغذية فيما يعاني الكثير من البالغين من ارتفاع في معدل الكوليسترول وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب نتيجة البدانة. هل يعتبر شراء الطعام الصحي رفاهية لا يحظى بها سوى الأثرياء فيما يتضور الفقراء جوعاً؟ ثم أدرك أن الإجابة على هذا السؤال ليست بالسهلة.
التعايش مع الموت والخسارة
بمرور الأشهر أدركتُ حجم المرونة لدى الشعب الأفغاني وانبهرت كيف أنَّ الموت يشكل جزءاً من حياتهم ولذلك يجهدون للتعايش مع الخسارة. هذه التجربة الإنسانية والمتعة التي يشعر بها الطبيب لا يمكن خوضها إلاَّ عبر السفر إلى بلدان كهذه، إذ بإمكاننا إنقاذ حياة الناس بطريقة مباشرة أولاً، وثانياً التعرف إلى أناس من دول متنوعة يعملون مع أطباء بلا حدود ما يبني أواصر اجتماعية تساهم في مشاركة الآخرين أحزانهم وأفراحهم، ويعزز التواصل والتفاهم والتعرف أكثر إلى شعوب ذات عادات وتقاليد مختلفة. وإضافةً إلى كل ما سبقَ ذكره شكّلت هذه التجربة فرصة لي لمراجعة الذات والخروج من المحيط المريح، فالنظرة تصبح شاملة أكثر ومليئة بالتحدي لا مؤطرة ومحدودة. وتتيح لنا المقارنة بين ظروف حياتنا اليومية البسيطة والصعوبات التي يمر بها الآخرون.
في انتظار الوجهة التالية
لا يمكن اختصار تجربتي في أحمد شاه بابا ببضعة أسطر، ولكنْ حتماً شكلت هذه الرحلة نقطة مفصلية في حياتي، كان من المفترض أن أسافر لثلاثة أشهر فقط، ولكن بقيت 6 أشهر، ولو طلب مني البقاء أكثر لما ترددت. اليوم الأخير في أفغانستان أثر فيَّ، ففي الاجتماع الصباحي اجتمع الموظفون في المستشفى وكلٌ منهم ودعني بطريقته ولغته الخاصة. شخصياً فرحت جداً بهذه التجربة المثمرة التي ساهمت في تعرفي إلى أناس من حضارات وثقافات وخلفيات اجتماعية مختلفة أغنتني. حالياً عدتُ إلى لبنان والتحقت بمشروع أطباء بلا حدود في مخيم عين الحلوة ضمن مشروع يشكل لي تحدياً جديداً مختلفاً، وبين أفغانستان ولبنان، أترقَّب بشوق السفر مجدداً لخوض تجربة مختلفة، راغباً في أن تكون أفريقيا وجهتي التالية!
* الدكتور سليمان عمّار، طبيب من حاصبيا - جنوب لبنان، يبلغ من العمر 35 سنة، ويعمل كطبيب ومختص في الجراحة العامة. في الأول من أيار 2015، انضم إلى الفريق الطبي التابع لمنظمة أطباء بلا حدود في لبنان كطبيب عام ومدير للأنشطة الطبية في المشروع في جنوب لبنان، حيث تدير المنظمة عيادة متنقلة لتقديم الرعاية الصحية للاجئين. ولاحقاً، انتقل الدكتور سليمان في شباط 2016 إلى مشروع عكّار في شمال لبنان ليعمل مديراً للأنشطة الطبية، حيث افتتحت أطباء بلا حدود مركزاً لعلاج الإصابات الطفيفة في وادي خالد. كما عمل بعد عدة شهور في مركز الرعاية الصحية الأساسية في وادي خالد والذي يوفر العلاج للاجئين والمحتاجين من سكان المجتمعات المستضيفة. كما شغل وظيفة المسؤول الطبي في مستشفى أحمد شاه بابا في كابل – أفغانستان الذي يعد أحد أكبر مشاريع أطباء بلا حدود في العالم بدءاً من نيسان 2017.



