أخبار عاجلة
الجمهورية القوية: أمن اللبنانيين خطّ أحمر! -
جدول جديد لأسعار المحروقات -
تركيا… مقتل 4 أشخاص في عاصفة ضربت أنطاليا -
الجميّل: لننهِ موضوع السلاح أولاً -
الكويت: الإعدام لـ3 متهمين بالتخابر مع إيران و”الحزب” -
تراجع أسعار الذهب والنفط -
محفوض: تهيّأوا للأخطر والأسوأ -
موسكو: “الناتو” يجري مناورات تحاكي المواجهة مع روسيا -

زوطر الشرقية: اقتراع فوق السيادة

زوطر الشرقية: اقتراع فوق السيادة
زوطر الشرقية: اقتراع فوق السيادة

كتبت د. بولا أبي حنا في “نداء الوطن”:

في 21 تشرين الأول 2026، لم تكن الصورة الآتية من زوطر الشرقية مستفزّة لمجرد أن جنودًا إسرائيليين اقترعوا في إطار الانتخابات العامة في بلادهم، بل لأنهم فعلوا ذلك داخل بيت لبناني، على أرض تخضع لسيطرة عسكرية إسرائيلية. هنا تتجاوز المسألة حدود إجراء انتخابي تنظّمه دولة لمواطنيها، لتكشف مفارقة سياسية وأخلاقية عميقة: كيف تُمارَس الديمقراطية في مكان ينتقص فيه الوجود العسكري من سيادة دولة أخرى وحرية شعبها؟

إن حق الاقتراع، بوصفه أحد الحقوق السياسية الأساسية، لا يفقد مشروعيته لمجرد أن صاحبه جندي، ولا لأن ممارسته تتم خارج الحدود. لكن الحق في الانتخاب لا يمنح صاحبه، ولا الدولة التي ينتمي إليها، امتيازًا على أرض الغير. فالديمقراطية لا تنشئ سيادة حيث لا سيادة، ولا تحوّل السيطرة العسكرية إلى حق، ولا تمنح الاحتلال شرعية لمجرد أن إجراءً ديمقراطيًا يجري في ظله. والمفارقة هنا أن جنودًا يمارسون حقهم في اختيار ممثليهم، فيما يُحرم أصحاب الأرض من ممارسة سيادتهم الفعلية عليها.

المشكلة، إذًا، ليست في صندوق الاقتراع، بل في البيئة السياسية والعسكرية التي أُقيم فيها. فالديمقراطية ليست مجرد آلية لاحتساب الأصوات، وإنما نظام من الحقوق والضمانات والمبادئ التي تفترض الاعتراف بحرية الآخرين ومساواتهم. ولا يعني ذلك أن الاقتراع نفسه يصبح باطلا قانونًا بسبب مكانه، بل إن المشهد يفضح تناقضًا بين ممارسة حق سياسي داخلي وواقع عسكري يفرض نفسه على مجتمع آخر.

والأشد دلالة أن المكان لم يكن ثكنة عسكرية أو موقعًا معزولا، بل منزلا لبنانيًا. فالبيت ليس مجرد جدران وسقف، إنه المساحة التي تتجسد فيها علاقة الإنسان بأرضه وذاكرته وخصوصيته وأمانه. وعندما يتحول إلى مركز اقتراع لجنود القوة التي تسيطر على المنطقة، يصبح المشهد أكثر من واقعة عسكرية عابرة: يصبح اختزالا لعلاقة غير متكافئة، يستطيع فيها طرف ممارسة حياته السياسية، فيما يبقى الطرف الآخر أمام سؤال أبسط وأكثر إلحاحًا: متى يستطيع العودة إلى منزله والعيش فيه بصفته صاحب المكان؟

هنا تكمن المفارقة الأكثر عمقًا: الديمقراطية حق للمواطن، لكنها ليست امتيازًا للدولة على حساب الشعوب الأخرى. فالحقوق السياسية لا تُقاس فقط بإمكانية ممارستها، بل أيضًا بالسياق الذي يتيحها وبالحقوق التي قد تُنتهك في سبيل ذلك. وحين تتوافر لجندي القدرة على الاقتراع بفضل الحضور العسكري لدولته، بينما يُحرم صاحب المنزل من الأمان والسيطرة على ممتلكاته، فإن التفاوت لا يعود بين شخصين، بل بين قدرتين على فرض الواقع وتحديد من يملك حرية الحركة والقرار.

وليس مطلوبًا من هذه الصورة أن تثبت وحدها وجود مشروع لضم الأرض أو تغيير وضعها القانوني، فمثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة مستقلة. لكن الصورة تكشف أمرًا لا يقل أهمية: كيف يمكن للسيطرة العسكرية أن تدخل في تفاصيل الحياة المدنية، وأن تجعل ما يفترض أن يكون استثناءً ميدانيًا مشهدًا اعتياديًا. والخطر يبدأ حين تعتاد العين على الوقائع الاستثنائية، وحين يتحول الاحتلال، بفعل تكرار حضوره، من قضية تستوجب الإنهاء إلى واقع يُبحث عن كيفية التعايش معه.

وتكتسب الحادثة دلالة إضافية في توقيتها، بالتزامن مع مفاوضات تامبا بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية. فبينما تبحث الوفود في الترتيبات العسكرية والأمنية ومستقبل الوجود الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية، تكشف زوطر الشرقية المسافة بين التفاوض على السيادة وممارستها فعليًا. وما قيمة التفاهمات إذا بقيت القوة العسكرية قادرة على فرض وقائع داخل البلدات اللبنانية؟ وأي معيار سيُعتمد لقياس التقدم: ما يُكتب في الاتفاقات، أم ما يتغير على الأرض؟

لا يمكن فصل ما جرى في زوطر الشرقية عن أزمة السيادة اللبنانية بمختلف أوجهها، من ضعف الدولة في بسط سلطتها إلى ازدواجية القرار العسكري وتداعيات الصراع الإقليمي. لكن تفسير هذه الأزمة لا يعني توزيع المسؤولية عنها بصورة تلغي الفروق بين أطرافها. فالنقاش حول أسباب ضعف الدولة وسبل استعادة قرارها السيادي مشروع وضروري، إلا أنه لا يحوّل الوجود العسكري الإسرائيلي إلى نتيجة حتمية، ولا يعفي إسرائيل من مسؤولية أفعالها على الأرض اللبنانية. إن استعادة السيادة تتطلب معالجة الاختلالات الداخلية، بالتوازي مع إنهاء الاحتلال، لا جعل أحد المسارين شرطًا مفتوحًا لتعليق الآخر.

هنا ينبغي ألّا ينحصر النقاش اللبناني في إدانة المشهد، على أهميتها، بل أن ينتقل إلى مساءلة مآلات التفاوض. فالمعيار ليس مجرد استمرار الحوار أو صدور بيانات تؤكد التمسك بالسيادة، وإنما وجود التزامات واضحة وقابلة للتحقق، وجدول زمني للانسحاب، وضمانات لعودة السكان، وآلية لمراقبة التنفيذ ومحاسبة من يخرق التفاهمات. فالتفاوض الذي لا يغيّر الوقائع قد ينتهي إلى إدارتها، فيما يُفترض أن يكون هدفه إنهاء الأسباب التي أنتجتها.

إن السيادة ليست مفهومًا تجريديًا يُستحضر في الخطابات الرسمية، إنها قدرة الدولة على حماية أرضها ومواطنيها، وقدرة المواطن على العودة إلى منزله من دون إذن قوة أجنبية أو خشية من وجودها. وهي، بهذا المعنى، تبدأ من البيت قبل أن تصل إلى قاعات التفاوض، ومن حق السكان في الحياة الطبيعية قبل أن تُختصر في خرائط الانتشار العسكري.

لا تكمن دلالة زوطر الشرقية في أن جنودًا وضعوا أوراقهم في صندوق اقتراع فحسب، بل في أن هذا الصندوق ظهر داخل منزل لبناني فيما بقيت سيادة أصحابه معلّقة. وحين يصبح البيت شاهدًا على هذا التناقض، لا يعود السؤال عمّن اقترع، بل عمّن يملك القرار في المكان.

فالديمقراطية تختبر معناها في احترام حقوق الآخرين، والسيادة تختبر معناها في قدرة أصحاب الأرض على استعادتها. أما صندوق الاقتراع، مهما كانت رمزيته، فلا يستطيع أن يمنح الاحتلال شرعية لا يملكها.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق سامي الجميّل: للحفاظ على أفضل العلاقات مع الدول العربية
التالى قتيلان بحادث إطلاق نار داخل مستودع في فرجينيا