طهران ترتدي قناع الضحية… والعقوبات تخنق أنفاسها

طهران ترتدي قناع الضحية… والعقوبات تخنق أنفاسها
طهران ترتدي قناع الضحية… والعقوبات تخنق أنفاسها

جاء في “نداء الوطن”:

حاول الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، من منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة أمس، إعادة تقديم نظامه الفاسد بوصفه ضحية للإرهاب والعدوان، متجاهلًا سجلًّا حافلًا بالتدخلات وتسليح الميليشيات وتحويل دول المنطقة إلى ساحات صراع. وحين احتجّ على وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب حكّام طهران بالإرهابيين، كان يستعيد خطاب المظلومية الذي تستخدمه الجمهورية الإسلامية لحجب مسؤوليتها عن تصدير الإرهاب والعنف. وجاء انسحاب الوفد الأميركي من القاعة ليختصر عمق القطيعة مع رواية إيرانية تطالب العالم بالنظر إلى نتائج المواجهة وتتجاهل السياسات الخبيثة التي فجّرتها.

وفي الملف النووي، كرّر بزشكيان أن بلاده تريد التكنولوجيا من أجل التقدّم، متمسّكًا بحقّها في المعرفة النووية. غير أن صدقية هذا الكلام تُختبر بالشفافية وإتاحة الرقابة الدولية وتفسير مستويات التخصيب التي تتجاوز متطلّبات الاستخدامات السلمية. فالمنشآت المحصّنة تحت الأرض، مقترنة بمنع المفتّشين من الوصول إليها، تُبقي الأسئلة مفتوحة بشأن طبيعة البرنامج وغاياته. وتحتاج طهران إلى تقديم إجابات قابلة للتحقّق، بعدما استهلكت التعهّدات اللفظية قدرتها على تبديد الشكوك.

أما التوعّد بعدم الانحناء أو الركوع، فيُخاطب حاجة نظام الملالي إلى ترميم صورته أمام جمهوره، فيما يدفع الإيرانيون كلفة الانهيار الاقتصادي وتآكل المداخيل والعزلة. ومن خلف هذه اللغة المتصلّبة، تتحرّك الدبلوماسية الإيرانية، حاملة مطالب رفع الحصار والإفراج عن الأصول المجمّدة وإنهاء الحرب على كلّ الجبهات. وكان لافتًا كشف مسؤول إيراني كبير لوكالة “رويترز” أن طهران تدرس الردّ الأميركي على اقتراحها بإنهاء الأعمال القتالية، لكن لا تزال هناك خلافات عديدة بين الموقفين. المعضلة القائمة تُظهر حجم المأزق، إذ تحتاج القيادة الإيرانية إلى مخارج تفاوضية، وتخشى الاعتراف بأن سياساتها أوصلت البلاد إلى وضع يستدعي البحث العاجل عنها.

وتواجه هذه المحاولات ضغطًا أميركيًا يتوغّل في مفاصل الاتصال بالعالم. فدخول العقوبات المشدّدة على الطيران الإيراني حيّز التنفيذ يضع شركات الطيران والمطارات ومزوّدي الوقود ووكلاء التذاكر أمام خطر الاستبعاد من النظام الدولاري. هكذا تُحوّل واشنطن التعامل مع الطائرات الإيرانية إلى مخاطرة مالية تتجاوز قيمة الرحلات نفسها، وتدفع الجهات الأجنبية إلى إعادة حساباتها، حتى عندما تتجنّب حكوماتها إعلان موقف سياسي صريح.

وقد ظهرت النتائج بإلغاء رحلات وتعليق أخرى، وارتباك وكالات السفر والبحث عن بدائل برّية. وتتوزّع الخسائر على إيرادات الشركات والسياحة الدينية وحركة الأعمال وقدرة المسافرين على المغادرة والعودة. ومع استمرار بعض الرحلات، ومنها رحلة إلى الصين، تبقى فعالية العقوبات مرتبطة باتساع الامتثال وإمكان الالتفاف عليها. ويعني ذلك أن الاختناق يتصاعد تدريجيًا، فيما يتحمّل المواطنون أعباء مباشرة، ما قد يزيد نقمتهم تجاه نظام آيات الله.

وجاء تهديد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي بتعطيل مطارات الدول المجاورة، إذا أوقفت الرحلات الإيرانية، ليكشف طبيعة الأدوات التي تستحضرها طهران عند تضييق الخيارات أمامها. فبدل معالجة أسباب العزلة، تلوّح بتوسيع دائرة الضرر لتشمل جيرانها. ومن شأن هذا السلوك أن يُعمّق مخاوفهم الأمنية، ويزيد دوافع تشديد الرقابة على التعاملات الإيرانية، بما يحوّل التهديد إلى عامل إضافي في تقليص منافذ النظام.

وفي هذا السياق، تكتسب الإجراءات الإماراتية بحقّ فروع بنك “ملّي” الإيراني في الإمارات أهمية كبيرة. فحظر المعاملات المالية من إيران وإليها، بما يشمل تمويل التجارة والتحويلات، يضيّق قناة اتصال داخل مركز تجاري ومالي بالغ الأهمية لطهران. وقد ربط المصرف المركزي الإماراتي إجراءاته بمخالفات للضوابط الرقابية ولتشريعات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلّح، ما يمنحها أساسًا رقابيًا يتجاوز الظرف السياسي المباشر.

كما أعلنت كندا فرض عقوبات جديدة على عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين وكيانات تابعة للجمهورية الإسلامية، “بسبب دورهم في القمع الوحشي” للشعب الإيراني. ويتقاطع الضغط على الطيران والعقوبات مع التضييق المصرفي في زيادة كلفة حركة الأشخاص والأموال والتجارة. وتوحي هذه الضغوط المتزامنة بأن المسار الدبلوماسي يتحرّك تحت وطأة تقليص الخيارات الاقتصادية الإيرانية. ومع ذلك، يبقى نجاحها في انتزاع تنازلات مرتبطًا بحسابات القيادة المؤدلجة وقدرتها على تحميل المجتمع المنهك كلفة إضافية، وبوجود مخرج تفاوضي لا يزال غير متوافر.

على الجبهة اليمنية، يضيف الحوثيون تهديد الملاحة والمصالح الأميركية إلى أدوات الضغط. ويكشف كلام مستشارهم العسكري العميد عابد محمد الثور لوكالة “فرانس برس” عن “إدارة واحدة للمعركة” الترابط بين الجبهات، رغم نفي تلقّي توجيهات إيرانية. وكان معبّرًا تهديده واشنطن بأن كلّ مصالحها في المنطقة ستكون هدفًا لحركة “أنصار الله” في حال “غامرت” وساندت السعودية، أو حاولت السيطرة على مضيق باب المندب. أما التوعّد بإغلاق باب المندب أمام العالم، فيفضح استعداد الجماعة لتحويل التجارة الدولية إلى رهينة. وتتجاوز تداعيات ذلك السعودية وأميركا، لتطول اقتصادات تعتمد على الممرّات البحرية وتدفع ثمن اضطرابها في الطاقة والنقل والغذاء.

تراهن طهران وحلفاؤها على رفع كلفة المواجهة لانتزاع شروط أفضل، في حين تراهن واشنطن على تعميق الاختناق الاقتصادي لتغيير الحسابات الإيرانية. وبين الرهانين، تتّسع الفجوة بين خطاب الصمود وواقع الاستنزاف. وسيُقاس مآل هذه الجولة بقدرة الدبلوماسية على فرض التزامات حازمة بشأن حرّية الملاحة والبرنامج النووي والجبهات المشتعلة، وباستعداد النظام الإيراني لتحمّل مسؤولية خياراته، بعدما جعل شعبه وشعوب المنطقة يدفعون أثمانها.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق باكستان تعلن قصف مواقع في أفغانستان مرتبطة بهجمات بالمسيّرات
التالى واشنطن: نزع سلاح “الحزب” جزء لا يتجزأ من عملية المناطق التجريبية