أخبار عاجلة

العقوبات تجمع موسكو وطهران في مواجهة واشنطن

العقوبات تجمع موسكو وطهران في مواجهة واشنطن
العقوبات تجمع موسكو وطهران في مواجهة واشنطن

كتبت بولا أبي حنا في نداء الوطن:

يقال في المثل الشعبي إن “المصيبة تجمع”. ولعل هذا المثل يجد اليوم ترجمة جيوسياسية غير مسبوقة في العلاقة بين روسيا وإيران. فالدولتان اللتان وجدتا نفسيهما في مواجهة منظومة واسعة من العقوبات والضغوط الغربية، لا تكتفيان بتبادل الدعم السياسي والمصالح الاقتصادية، وإنما تبدوان في طريقهما إلى بناء شبكة موازية تسمح لهما بتقليص اعتمادهما على النظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة.

ما كشفته شبكة “فوكس نيوز” في تقرير نشرته في 20 أيلول يحمل أهمية تتجاوز عنوان “وثيقة سرية للتحايل على العقوبات”. فقد حصلت الشبكة على وثيقة روسية غير منشورة من 44 صفحة بعنوان “خطة التعاون بين روسيا الاتحادية والجمهورية الإسلامية الإيرانية للفترة 2024 – 2026″، تحمل صفة “للاستخدام الرسمي”، وتحدّد مشاريع ومسؤوليات ومهلًا زمنية تمتدّ حتى نهاية عام 2026.

المهمّ في الوثيقة ليس مشروعًا واحدًا، وإنما ما يمكن تسميته “هندسة العلاقة”. فموسكو وطهران لا تبحثان فقط عن طرق للالتفاف على العقوبات القائمة، بل تعملان على تقليل نقاط الضعف التي تجعل اقتصاديهما عرضة للضغط الغربي. وتظهر هذه الهندسة بوضوح في المجال المالي. فالوثيقة تحدّد هدفًا لرفع حصة التجارة الثنائية التي تتم بالعملات الوطنية من 68 في المئة عام 2024 إلى 71 في المئة عام 2026، وتدعو إلى توسيع الحسابات المصرفية بالعملات الوطنية. كما تتحدّث عن استخدام العملات الرقمية الصادرة عن المصارف المركزية في التسويات العابرة للحدود، وربط المؤسسات المالية بقنوات مستقلّة لتبادل المعلومات المالية.

هنا تحديدًا تكمن أهمية الخبر. فالوثيقة الروسية لا تستخدم حرفيًا تعبير “التحايل على العقوبات”، وإنما تتحدّث عن مواجهة ما تسميه موسكو “الإجراءات التقييدية الأحادية”. لكن مصدرًا استخباراتيًا أوروبيًا راجع الوثيقة اعتبر أن بعض هذه الآليات يستهدف عمليًا الالتفاف على العقوبات الأميركية، فيما أكدت واشنطن أنها تراقب محاولات إنشاء قنوات مالية بديلة يمكن أن تسهّل التهرّب من العقوبات.

وبالتالي، نحن أمام شيء أكبر من محاولة روسية – إيرانية لتسهيل بعض المعاملات التجارية. نحن أمام محاولة لبناء مساحة اقتصادية أقلّ اعتمادًا على الأدوات المالية الغربية. وهذه المحاولة لم تبقَ حبرًا على ورق بالكامل. ففي 14 أيلول، فرضت أميركا عقوبات جديدة على مصرف VTB الروسي، متّهمة إياه بإنشاء علاقات مصرفية مع مؤسسات إيرانية خاضعة للعقوبات، وبتطوير قنوات مالية لتسهيل التجارة والتنسيق المالي بين موسكو وطهران، بما في ذلك نظام للتسويات بالريال الإيراني والروبل الروسي.

وهنا تلتقي الوثيقة مع الواقع المعلن. روسيا وإيران تتحرّكان في الاتجاه نفسه: العملات الوطنية بدلًا من الدولار، قنوات مالية مستقلّة بدلًا من الاعتماد الكامل على النظام الغربي، ومسارات نقل جديدة بدلًا من الطرق التقليدية التي يمكن أن تخضع للضغط السياسي والاقتصادي. ولا يتوقف الأمر عند المال. فالوثيقة تشمل التعاون النووي المدني، والطاقة، والنفط والغاز، والطيران، والنقل، وممرّات تجارية تربط روسيا بإيران وصولًا إلى الخليج. كما تتضمّن مشاريع مرتبطة بممرّ النقل الدولي بين الشمال والجنوب، الذي يهدف إلى ربط روسيا بالموانئ الإيرانية عبر مسارات تتجاوز جزءًا من البنية التجارية التقليدية التي تمرّ عبر أوروبا.

وهذا يعني أن موسكو لا تنظر إلى إيران بوصفها مجرّد حليف سياسي في مواجهة واشنطن، كما أن طهران لا ترى في روسيا مجرّد قوّة كبرى يمكن الاستناد إليها دبلوماسيًا. العلاقة تتحوّل تدريجيًا إلى شبكة مصالح مؤسساتية: مصارف، وزارات، شركات حكومية، طاقة، موانئ، سكك حديد، تجارة وعملات. وهذا تحديدًا ما يجعل المسألة أكثر أهمية من مجرّد “تحالف ظرفي”. فالعقوبات، التي يُفترض أن تعزل الدول المستهدفة وتضغط عليها، يمكن أن تنتج في بعض الحالات نتيجة موازية: دفع هذه الدول إلى البحث عن بدائل، ثمّ جمعها مع دول أخرى تواجه الضغوط نفسها. ومع مرور الوقت، تتحوّل البدائل الموَقّتة إلى بنى مؤسّساتية أكثر رسوخًا.

وليس هذا جديدًا بالكامل. فمنذ سنوات، تبحث روسيا وإيران والصين ودول أخرى عن وسائل لتقليص الاعتماد على الدولار والنظام المالي الغربي. لكن ما تكشفه الوثيقة الروسية هو مستوى أكثر تنظيمًا من هذا المسار، حيث تصبح البدائل جزءًا من خطة حكومية متعدّدة القطاعات وليست مجرّد مبادرات تجارية منفصلة. وهنا يظهر البعد الجيوسياسي الحقيقي.

القوّة الأميركية لا تقوم فقط على حجم الاقتصاد أو التفوّق العسكري، وإنما أيضًا على مركزية الدولار وشبكة المؤسسات المالية العالمية وقدرة واشنطن على استخدام النظام المالي كأداة ضغط. ولذلك، فإنّ أيّ محاولة جادة لبناء قنوات مالية بديلة لا تستهدف العقوبات وحدها، وإنّما تمسّ إحدى أهمّ أدوات النفوذ الأميركي. لكنّ من الخطأ أيضًا المبالغة في حجم التحدّي. فأميركا تقول إن روسيا وإيران تستطيعان بناء قنوات مالية بديلة، لكنّهما لا تستطيعان بسهولة إعادة إنتاج حجم السيولة والثقة والانتشار الذي يوفره الدولار والنظام المالي الدولي المرتبط به.

وهذا يعني أن موسكو وطهران لا تبنيان، حتى الآن، نظامًا ماليًا عالميًا بديلًا عن النظام الذي تسيطر عليه أميركا. إنّهما تبنيان شبكة حماية حول اقتصاديهما، وتعملان على تخفيض كلفة العزلة، وتوسيع هامش الحركة أمامهما. لكن السؤال الأهمّ هو: ماذا يحدث إذا انضمّت إلى هذه الشبكات دول أخرى لديها مصلحة في تقليل اعتمادها على النظام المالي الأميركي؟

هنا يصبح الأمر مختلفًا. فالحديث لا يعود عن روسيا وإيران فقط، وإنما عن مسار أوسع يتقاطع مع مجموعة “بريكس”، مع تنامي استخدام العملات الوطنية في التجارة الثنائية، ومع البحث عن أنظمة دفع وتسويات لا تمرّ بالضرورة عبر القنوات المالية التقليدية التي تملك واشنطن نفوذًا كبيرًا عليها. ومن هذه الزاوية، تبدو عبارة “المصيبة تجمع” أكثر من مجرّد مثل شعبي.

العقوبات جمعت مصالح كانت متفرّقة. والضغط الخارجي دفع موسكو وطهران إلى البحث عن حلول مشتركة. ومع كلّ خطوة جديدة في بناء هذه البدائل، يتحوّل ما كان في البداية مجرّد “التفاف على العقوبات” إلى بنية اقتصادية وسياسية أكثر انتظامًا. لقد أرادت العقوبات أن تجعل كلفة السلوك الروسي والإيراني أعلى. لكن السؤال الاستراتيجي الذي يفرض نفسه هو ما إذا كانت هذه العقوبات، في الوقت نفسه، تدفع الدول المستهدفة إلى بناء عالم أقلّ اعتمادًا على الأدوات التي تستخدمها واشنطن.

المعركة، إذًا، لم تعد فقط على الأموال التي تدخل المصارف، أو النفط الذي يعبر الحدود، أو السلع التي تصل إلى الأسواق. إنّها معركة على من يملك مفاتيح النظام الاقتصادي العالمي، ومن يستطيع أن يعيش خارجه، ومن يستطيع في النهاية أن يبني بديلًا له. وفي هذا المعنى، قد تكون الوثيقة الروسية أهمّ لا بما تقوله عن صفقة روسية – إيرانية محدّدة، بل بما تكشفه عن اتجاه أوسع: بلدان تحت العقوبات يتعلّمان، خطوة بعد خطوة، كيف يحوّلان الضغط الذي يستهدف عزلهما إلى حافز لبناء شبكة مصالح مشتركة. وإذا كانت السياسة الدولية كثيرًا ما تصنع التحالفات بالمصالح، فإنّ العقوبات قد تصنعها أحيانًا بالمخاطر المشتركة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق التعديل الوزاري: من يضحّي بمن؟
التالى واشنطن: نزع سلاح “الحزب” جزء لا يتجزأ من عملية المناطق التجريبية