كتب ألان سركيس في نداء الوطن:
تغيرت المعركة ولم تعد إسرائيل تكتفي بضرب السلاح، بل بقطع الطريق إلى السلاح. لا تستهدف الموقع فقط، بل ما يحميه وما يغذّيه وما يسمح له بالاستمرار. في الجنوب، تتقدّم المعركة خطوة جديدة. علي الطاهر في الواجهة، لكن الهدف أبعد. والرسالة أوضح أن زمن “الإسناد” المفتوح انتهى، ومن يدفع ثمنه اليوم هو “حزب الله”.
إذ لا يكذب الميدان، فأنفاق الشقيف كانت محطة أساسية، وعلي الطاهر باتت تحت الضغط، وما بعده قد يكون جبل الريحان. وبين هذه المواقع يجري عمل عسكري هادئ. ضربات دقيقة وعمليات محددة ومن دون ضجيج. وتكشف معلومات أمنية لـ”نداء الوطن” أن إسرائيل نفذت عمليات سرية في علي الطاهر ومحيطه، وأوقعت، وفق المعطيات، عددًا كبيرًا من الضحايا في صفوف “حزب الله” والحرس الثوري الإيراني. لكن القصة لا تنتهي هنا. المعلومات نفسها تشير إلى أن العمليات توسعت شمال الليطاني، والهدف تهيئة الأرضية للانتقال إلى جبل الريحان بعد علي الطاهر.
وتظل سجد ومحيطها في دائرة التركيز أيضًا. هناك، وفق المعلومات الأمنية، مستوى ثالث من التحصينات والمنشآت العسكرية. وهذا يعني أن إسرائيل لا تتعامل مع نقطة واحدة، بل مع منظومة كاملة. الخطة تبدو واضحة: شقيف أولا، علي الطاهر تاليًا، ثم استكمال الضغط باتجاه الريحان. لكن من دون ضجيج، ومن دون إعطاء “حزب الله” فرصة لإعادة ترتيب صفوفه. المعركة الهادئة أخطر، لأنها تستنزف قبل أن تُعلن.
ومع استمرار العمليات، ترتفع خسائر “حزب الله”، وتؤكد المعلومات الأمنية أن تضييق خطوط الإمداد مستمر. وهنا تكمن المشكلة الأكبر. السلاح الموجود في المستودعات لا يكفي. المقاتل يحتاج إلى طريق. والصاروخ يحتاج إلى نقل. والمنشأة تحتاج إلى تمويل وإمداد وحماية. “حزب الله” يدفع اليوم ضريبة قراره الدخول في حرب “إسناد” غزة، ثم توسيعها لتشمل مساندة إيران. الثمن ليس سياسيًا فقط. إنه عسكري وأمني وميداني. خطوط الإمداد التي اعتمد عليها “الحزب” لسنوات تضيق تباعًا، والممرات التي شكلت شرايين للحركة والسلاح أصبحت تحت الرقابة والاستهداف.
وهنا تصبح الخسائر المتراكمة أخطر من أي ضربة منفردة. فالمطلوب ليس فقط إضعاف “الحزب”، بل قطع قدرته على التعويض وإعادة بناء قوته. لذلك تبدو الضريبة التي يدفعها باهظة، وقد تتحول، إذا استمر هذا المسار، إلى ضريبة تنهي دوره العسكري بالشكل الذي عرفه اللبنانيون خلال السنوات الماضية.
و تخرج المعركة من الجنوب إلى الصورة الأكبر. من المطار إلى المرفأ، تتشدد الإجراءات على حركة “الحزب”. كل منفذ يصبح أصعب وكل طريق يصبح أكثر كلفة. وفي سوريا، تشير المعلومات إلى تشدد متزايد على طول السلسلة الشرقية، وإلى رقابة استخبارية أكبر على حركة العبور من سوريا وإليها. أما العراق، فلم يعد الممر المريح الذي كان يشكل عمقًا استراتيجيًا للحركة الإيرانية وحلفائها. الخيارات تضيق، والممرات تتراجع، والضغط يتوسع. وحتى تركيا لا تبدو خيارًا سهلا لتأمين البدائل.
وهكذا يصبح المشهد مترابطًا. الجنوب يُضرب، سوريا تشدد الرقابة، العراق يضيّق الخناق والمنافذ اللبنانية تخضع لمراقبة أكبر. المشكلة لم تعد في كمية السلاح فقط. المشكلة في الوصول إليه. فالقوة العسكرية تحتاج إلى إمداد مستمر، وعندما ينقطع الإمداد يبدأ الاستنزاف. لذلك فإن معركة علي الطاهر ليست معركة موقع فقط. إنها معركة خطوط وطرق وقدرة على الصمود. وإذا استمر قطع هذه الخطوط، فإن “حزب الله” لن يخسر مواقع فحسب، بل سيخسر القدرة على تعويض خسائره وإعادة إنتاج قوته. علي الطاهر ليس النهاية. لكنه قد يكون بداية النهاية العسكرية.



