كتب ألان سركيس في “نداء الوطن”:
خطا لبنان خطوات أساسيّة في ملف التفاوض. ما كان ممنوعًا بالأمس أصبح واقعًا اليوم، وما تأكيدات رئيس الجمهورية جوزاف عون صوابيّة خيار التفاوض إلا مؤشّر على حسم الدولة أمرها.
تنفّست الدولة اللبنانية الصعداء بعد التواصل مع الولايات المتحدة الأميركية. كل المواقف أكّدت ألّا صفقة على حساب لبنان، ولا وصاية إيرانية جديدة، بل على العكس، تقوم واشنطن بكل شيء من أجل استعادة الدولة اللبنانية هيبتها وبسط سلطتها على كل الأراضي.
وإذا كانت المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية تسلك طريقها ببطء، فإنها تشكّل بارقة أمل. فلبنان، الذي تحمّل وزر الصراع العربي – الإسرائيلي، يريد التخلّص من كل الحروب، والممرّ الإجباري لهذا الطريق هو الاتّجاه نحو توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، بعد سقوط كل المحرّمات التي رسمها محور “الممانعة”.
ويُعتبر تسليح الجيش اللبناني شرطًا أساسيًّا لاستعادة الدولة سيادتها وهيبتها. ويعلم الأميركيون أن الجيش بحاجة إلى تجهيزات ومساعدات، لكنهم يتريّثون بانتظار ما ستسفر عنه المفاوضات، وما إذا كانت السلطة السياسية اللبنانية ستقرن الأقوال بالأفعال، وتبدأ عملا جدّيًّا على الأرض من أجل إنهاء المظاهر المسلّحة والميليشيات التي تسيطر على قرارَي السلم والحرب.
وفي حين تسعى الدولة اللبنانية إلى تأمين الدعم اللازم للجيش اللبناني، علمت “نداء الوطن” أن تحريك باريس مؤتمر دعم الجيش لا يتناقض مع السياسة الأميركية المتّبعة، فواشنطن تريد أن يكون الجيش القوة الوحيدة الموجودة على أرض لبنان، ولا تمانع تحريك باريس لهذا الملف، لكنّها هي مَن تتحكّم بالتوقيت. وتسعى فرنسا إلى الإطلالة على الساحة اللبنانية بعدما وضعها الأميركيون والإسرائيليون جانبًا، ولم يمنحوها دورًا في المفاوضات. ويعود هذا الموقف الأميركي إلى علاقة باريس المشبوهة بطهران وتساهلها مع “حزب الله”.
وتؤكّد المعلومات أن تسليح الجيش، عندما يحصل، سيكون بضوء أخضر أميركي غير موجود حاليًّا، وبالتالي تُعتبر خطوات باريس في هذا الاتّجاه مرحلة تحضيرية فقط، إلى حين وصول هذا الضوء.
ويُعتبر تسليح الجيش اللبناني خطوة تحصل عندما تنجح المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، ويتم الذهاب نحو السلام الحقيقي وإنهاء الوجود المسلّح لـ”حزب الله”. وفي هذا الإطار، يبرز كلام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إذ يؤكّد أن المعركة في لبنان لم تنتهِ بعد، وأن مهمّته لم تنتهِ، وأن لا انسحاب إسرائيليًّا من الشريط الأمني ما دام رئيسًا للوزراء، وأن الهدف هو حماية أمن إسرائيل.
وتأتي هذه التصريحات الإسرائيلية، إضافة إلى تصريحات وزراء آخرين، لترفع منسوب مخاوف الدولة اللبنانية. وتؤكّد مصادر رئاسية لـ”نداء الوطن” أن هذا الكلام يثير الريبة، خصوصًا وسط تأكيد إسرائيلي عدم أخذ إذن واشنطن أو أي دولة أخرى لتنفيذ هجمات في لبنان أو إيران أو أي نقطة أخرى. وتشير المصادر إلى أن خطورة هذا الكلام تكمن في أن الإسرائيلي يهدّد وينفّذ، وقد تشهد الأسابيع المقبلة تصعيدًا كبيرًا إذا ظلّ الإسرائيلي غير راضٍ عن محادثات سويسرا. ومن جهة ثانية، فإن نتنياهو مقبل على انتخابات في أيلول، لذلك سيصعّد هجماته، وقد نكون أمام سيناريو سوداوي، خصوصًا أن إيران و”حزب الله” يستمرّان في المواجهة، ولا يقدّران خطورة الوضع، ويظهران بمظهر غير الآبهَين بما قد يحلّ بجنوب لبنان والجنوبيين.
وأمام كل هذه الوقائع، تبدو مخاوف لبنان واقعية، لأن التجارب مع إسرائيل موجعة، و”حزب الله” مستمرّ في تنفيذ السياسة الإيرانية. وما دام لم تأته كلمة سرّ إيرانية بتسليم السلاح وتسهيل المفاوضات والحلول، فستستمرّ الحرب. ومثلما تحاول إسرائيل عرقلة المفاوضات الأميركية – الإيرانية، يعمل “حزب الله” على عرقلة المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية بأمر من إيران، وذلك لإبقاء لبنان ورقة في جيب طهران، وعدم السماح للدولة اللبنانية بالتفاوض عن نفسها.



