ولا يختلف اثنان على أن شطب جزء من التزامات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية يعني اتخاذ الدولة قراراً بإعفاء نفسها من موجب ردّ الودائع الخاصة التي استلفتها من مصرف لبنان، وتحميل فئة من المودعين لدى المصارف الخاصة أعباء الدولة اللبنانية. وأن مراقبة القضاء الإداري لشرعية القرار الإداري المشكو منه، المتضمّن المسّ بالملكية الخاصة، أمر مستقلّ تماماً عن المفاوضات التي تجريها الدولة مع صندوق النقد الدولي. وكان قد كرّس مجلس شورى الدولة الفرنسي مبدأ فصل بند أو جزء من القرار الحكومي، عندما يشكّل هذا الجزء قراراً إدارياً نافذاً مستقلاً لا يتعلّق بعلاقة السلطة التنفيذية بالسلطة التشريعية ولا بعلاقات الدولة الخارجية.
مسألة التزامات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية تجاه المصارف وكيفية معالجتها ليست بيد الحكومة منفردة كما ورد في القرار، ولا تستطيع اتخاذ قرارات نهائية بشأنها، بل هي تتطلّب تدخّل وتعاون مجلس النواب.
وبذلك يكون مجلس شورى الدولة، بقبوله المراجعة المقدّمة من جمعية المصارف، اعتبر أن لبنان لا يواجه أزمة مصرفية عادية، بل أزمة شاملة أي نظامية، مع تحميل الدولة المسؤولية الأساسية عن الأزمة المالية نتيجة اعتمادها سياسة الاقتراض من مصرف لبنان لتمويل العجز المتراكم في موازناتها العامة.
فالأزمة، وفق قرار مجلس الشورى كما أوضح مرجع قانوني مختص في القطاع المصرفي لـ”نداء الوطن”، “تتجاوز القطاع المصرفي بحدّ ذاته”، ما يعيد تسليط الضوء على هذا القرار وعلى أهمية مناقشة مضمونه وتداعياته القانونية والمالية.
ليس هناك مبرّر لأي مرجع تنظيمي أو تشريعي لاتخاذ الحكومة إجراءات مثل إلغاء ديون مصرف لبنان تجاه المصارف (والتي تمثّل في الواقع ودائع المودعين لدى المصارف)، لاسيما أن إلغاء الديون أو شطب الودائع، والذي يُعتبر وجهاً بارزاً من أوجه انتزاع الملكية أو التجريد منها، لم تُقابله أي أحكام أو خطة لتعويض الدائنين أو أصحاب المال عن الدين أو المال المنزوعة ملكيته، ما يشكّل تعرّضاً صارخاً لحق الملكية المكرّس دستوراً وفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فضلاً عن مخالفته للقوانين المرعية الإجراء وللمبادئ المستقاة منها.
عورات الأزمة المالية
هذه الوقائع المذكورة آنفاً استند إليها مجلس شورى الدولة لقبول مراجعة جمعية المصارف، وفي هذا الإطار أوضح المرجع القانوني نفسه أن “قرار مجلس شورى الدولة بقبول الطعن يبيّن عورات أو أسباب الأزمة التي تدلّ على أنها نظامية”. ومن الأسباب، كما جاء في قرار مجلس الشورى، الاستدانة، إذ أن “الحكومة اللبنانية استدانت من مصرف لبنان بين العامين 2010 و2021 مبلغ 63 مليار دولار أميركي (وفقاً للاحصاءات الأخيرة التي أنجزها مصرف لبنان)، من دون أن تقوم برد هذه الديون، إضافة إلى غيرها من الممارسات التي أدّت إلى إلحاق خسائر ضخمة بميزانية مصرف لبنان”.
وأنه، بهدف إعادة تكوين رأسمال البنك المركزي، قرر مجلس الوزراء تبنّي استراتيجية النهوض بالقطاع المالي بموجب قراره موضوع الطعن. ونصّت تلك الاستراتيجية على أن إلغاء جزء من التزامات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية تجاه المصارف يخفّض العجز في رأسمال البنك المركزي.
مخالفة المادتين 90 و113
إلا أنه اعتبر أن “تلك السياسة المعتمدة من قبل الحكومة لتمويل عجز الموازنة خلال فترة 10 سنوات، وضخامة رأس المال السلبي المتراكم في مصرف لبنان بموجب القرار موضوع الطعن، تخالفان الأحكام القانونية، لا سيّما المادتين 90 و113 من قانون النقد والتسليف، والقواعد التي وضعها المشترع في هاتين المادتين، والتي تحرص على الحفاظ على القطاع المصرفي والمالي في لبنان وضمان استقراره، من خلال حظر إقراض المصرف المركزي للقطاع العام إلا ضمن ضوابط محددة، وفرضه على الحكومة تغطية أي عجز لاحق في ميزانية المصرف المركزي من الاحتياطي العام أو من الخزينة”. فماذا تتضمن المادتان 90 و113؟
وضعت المادة 90 من قانون النقد والتسليف القاعدة العامة لتمويل الدولة من مصرف لبنان، ونصّت على أنه لا يجوز لمصرف لبنان أن يمنح الدولة أو المؤسسات العامة أو البلديات قروضاً مباشرة أو غير مباشرة إلا في حالات استثنائية محددة، ما يعني أن مصرف لبنان لا يموّل عجز الدولة ولا يشتري سندات الخزينة بشكل دائم لتمويلها.
أما المادة 113 فنظّمت العلاقة المالية بين الدولة ومصرف لبنان من حيث الأرباح والخسائر، إذ حدّدت الربح الصافي لمصرف لبنان على أن يُقتطع جزء منه للاحتياطي العام والباقي يُحوّل إلى خزينة الدولة، كأن تُحوّل نسبة 50% من الأرباح للاحتياطي و50% للخزينة، وعندما يكبر الاحتياطي تصبح: 20% احتياطي و80% للخزينة.
ورقة صندوق النقد
بما أن الأزمة نظامية، تُعتبر الدولة بالدرجة الأولى مسؤولة عن صياغة حل عادل وواقعي ينقذ النظام المالي برمته. وسبق لصندوق النقد الدولي أن أصدر في ايار 2026، تحت عنوان “قاعدة بيانات الأزمات المصرفية النظامية: 1970-2025″، والتي تؤكد أن سبب الأزمة ليس تقنياً. فالدولة اعتمدت سياسة الإقراض غير المنطقية والمخالفة للقانون من أموال المودعين التي أودعتها المصارف لدى مصرف لبنان.
وفي هذا السياق شدّد المصدر القانوني، على أهمية اعتراف صندوق النقد الدولي بأن الأزمة نظامية، فقال إن “ذلك الاعتراف الذي جاء ضمناً في الورقة له مفاعيل كبيرة ومهمة، خاصة من قبل صندوق النقد، الذي كان يرفض تحميل الدولة اللبنانية تلك المسؤولية. ما يعني أن الأزمة المالية تسبّبت بها الدولة اللبنانية، وعليها تحمّل جزء من الخسائر إلى جانب مصرف لبنان ثم المصارف. فعدم إعادة الدولة للقروض التي استدانتْها أدّى إلى عجز مصرف لبنان عن رد الأموال إلى المصارف التي لم تعد قادرة على إعادة أموال المودعين”.



