كتب ألان سركيس في “نداء الوطن”:
يتبدّل المشهد جنوبًا بسرعة. إسرائيل تواصل فرض وقائع ميدانية جديدة وتتقدّم، فيما يبدو “حزب الله” عاجزًا عن وقف هذا التطور. ما يحصل ربما “ميني اجتياح”، فالقرى الواقعة في محيط النبطية وصور دفعت أثمانًا باهظة خلال المعارك الأخيرة، بين دمار واسع وتهجير طال عشرات الآلاف من السكان الذين انتقل قسم كبير منهم إلى مناطق شمال الزهراني وخارج الجنوب.
ما يجري في الجنوب لم يقتصر على الخسائر البشرية والمادية، بل أصاب البنية العسكرية لـ “الحزب” في الصميم. فالمنظومة الدفاعية التي بناها على مدى سنوات تعرّضت لضربات متلاحقة، فيما فقدت العديد من المواقع والقدرات التي كانت تشكّل جزءًا أساسيًا من شبكة الحماية والردع. وتستفيد إسرائيل من هذا الواقع لتوسيع هامش تحرّكها العسكري والأمني، مستندة إلى تفوّق استخباراتي وجوي واضح.
لكن التطور الأكثر إثارة للنقاش لا يتعلق فقط بحجم الخسائر، بل بنوعية السلاح المستخدم. فـ”حزب الله”، الذي بنى جزءًا كبيرًا من خطابه العسكري على امتلاك صواريخ دقيقة قادرة على إصابة أهداف حساسة في تل أبيب وحيفا، لم يستخدم هذه الصواريخ بعد اغتيال السيد حسن نصرالله، وسأل الجميع عنها، ثم ظهرت بعد حرب إسناد إيران. وهو اليوم، وبعد الهدنة الأميركية – الإيرانية، لا يستخدمها، بل يقاتل بوسائل محدودة التأثير مقارنة بما كان يعلنه سابقًا. وتكشف المشاهد العسكرية أن معظم العمليات التي ينفذها تعتمد على مسيّرات بسيطة أو وسائل قتالية لا تعكس حجم الترسانة التي قيل إنها أُعدت لمواجهة أي حرب واسعة، رغم البروباغندا التي يروّجها لتلك المسيّرات.
وتشير المعلومات إلى أن هذا الواقع فتح باب التذمّر داخل “البيئة الحاضنة” حول مصير الصواريخ الدقيقة ودورها الفعلي. فهذه الصواريخ التي كانت تُقدَّم على أنها عنصر أساسي في معادلة الردع، وآذت إسرائيل أكثر من الصواريخ التي أُطلقت من طهران، غابت عن المواجهة رغم اتساع رقعة الدمار في القرى الجنوبية. وتقول أوساط متابعة إن هذا الأمر لم يعد يمر من دون تساؤلات، خصوصًا في المناطق التي تحمّلت الكلفة الأكبر للحرب.
وفي هذا السياق، تستعيد أوساط سياسية النقاش الذي رافق زيارة الموفد الأميركي توم براك إلى لبنان الصيف الماضي. فبحسب هذه الأوساط، طُرح آنذاك ملف الصواريخ الدقيقة بالتوازي مع البحث في آليات تنفيذ خطة حصر السلاح جنوب الليطاني وتطبيق الترتيبات الأمنية المطلوبة. إلا أن “حزب الله” رفض أي مقاربة تتناول هذه الترسانة، وتمسّك ببقائها خارج أي نقاش أو التزام، باعتبارها جزءًا من عناصر القوة الاستراتيجية التي يمتلكها.
وتعتبر هذه الأوساط أن المفارقة تكمن في أن السلاح الذي جرى التمسّك به تحت عنوان حماية لبنان والجنوب، لم يظهر في المواجهة الحالية رغم حجم الخسائر التي لحقت بالبيئة الحاضنة لـ”الحزب”، وسقوط بلدات مثل الخيام وبنت جبيل وأمس قلعة شقيف. وهذه الصواريخ التي قيل إنها قادرة على إصابة العمق الإسرائيلي بدقة، بقيت خارج المعركة، في وقت تتعرّض القرى الجنوبية للتدمير ويُدفع السكان إلى النزوح من مناطقهم.
وتربط مصادر سياسية بين هذا الواقع وبين التطورات الإقليمية الأخيرة. فبعد الهدنة التي أعقبت المواجهة الأميركية – الإيرانية، ارتفعت الأسئلة حول موقع هذه الصواريخ في الحسابات الاستراتيجية لـ”حزب الله” و”محور الممانعة”. وتقول المصادر إن الانطباع السائد لدى شريحة واسعة من المتابعين بات أن وظيفة هذه الترسانة تتجاوز الساحة اللبنانية، وأن قرار استخدامها لا يرتبط حصرًا بما يجري في الجنوب، بل هي للدفاع عن النظام الإيراني فقط.
وتؤكد أوساط متابعة أن النقاش الدائر اليوم لم يعد مرتبطًا بعدد الصواريخ أو حجم القدرات العسكرية، بل بالغاية التي خُصصت لها. فالحرب الأخيرة أظهرت أن الجنوب دفع أثمانًا كبيرة، فيما بقي السلاح النوعي خارج المواجهة وظهر فقط لإسناد إيران، أو أن إسرائيل استطاعت تدميره. ومن هنا يتّسع الجدل داخل البيئة الشيعية حول ما إذا كانت هذه الصواريخ أُعدت للدفاع عن القرى الجنوبية فعلا، أم أنها جزء من منظومة ردع إقليمية ترتبط أولا وأخيرًا بأمن إيران ومصالحها الاستراتيجية، وإيران التي لم تطلق طلقة واحدة دفاعًا عن الجنوب لا تسمح لـ”الحزب” باستعمال الصواريخ إلا لمصالحها.



