كتب منير الربيع في “المدن”:
مؤشرات عدم تحقيق تقدم في المفاوضات العسكرية الأمنية التي عقدت بين لبنان وإسرائيل، انعكست تصعيداً عسكرياً في الميدان، فإسرائيل قررت توسيع العمليات الجوية والبرية وأطلقت رسمياً عملية عسكرية باتجاه النبطية، بينما يسعى حزب الله إلى فرض معادلة “المدن” مقابل “المدن”؛ أي الرد على استهداف المدن الكبرى، بضرب المستوطنات الإسرائيلية وهذا ما دفع الإسرائيليين إلى تشديد الإجراءات. تنتقل الأنظار حالياً باتجاه المفاوضات السياسية، علماً أن البيان الذي صدر عن البنتاغون في ختام المفاوضات لم يشر إلى حزب الله بالاسم، ولم يذكر مسألة تشكيل وحدات خاصة في الجيش لسحب سلاحه. إلا أن التسريبات الإسرائيلية تحدثت عن بحث في تفكيك السلاح وهو ما تنفيه مصادر لبنانية، مشيرةً إلى أن ما جرى التشديد عليه هو وقف العمليات العسكرية والانسحاب.
طالب لبنان بضرورة وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية الجوية والبرية ووقف سياسة الإخلاء، وشدد على ضرورة الانسحاب من الأراضي التي دخلها الجيش الإسرائيلي، كما طالب الجيش بضرورة تفعيل عمل لجنة الميكانيزم، والحصول على المزيد من الدعم العسكري واللوجستي ليتمكن من مواصلة مهامه في بسط سلطة الدولة على أراضيها، وعرض الجيش خطته التي أعدها لسحب سلاح حزب الله من جنوب نهر الليطاني، وأن العمليات العسكرية الإسرائيلية تعرقل استكمال تنفيذ هذه الخطة. وأصر الجيش على الدور الأميركي الضامن لتثبيت وقف النار.
في المقابل، كانت المطالب الإسرائيلية بعيدة جداً عن المطالب اللبنانية، وتتضمن شروطاً صعبة جداً وقاسية، إذ اعتبر الإسرائيليون أولاً أن الجيش اللبناني لم يعمل على تنظيف منطقة جنوب الليطاني بشكل كامل، بدليل أن حزب الله كان يحتفظ بأسلحة وصواريخ ومقاتلين، وقد نفذ الكثير من العمليات من تلك المنطقة. كما عرض الإسرائيليون خرائط لمواقع يخزن فيها الحزب سلاحه في جنوب الليطاني وشماله، وطالبوا من الجيش البدء بالعمل على تفكيكها، كما عرضوا لمسار استهداف الجسور التي تربط شمال الليطاني مع جنوبه واعتبروها معابر يستخدمها حزب الله لتمرير السلاح. وتمسك الإسرائيليون بالمطالبة بإقامة المنطقة العازلة وتثبيتها، وهي التي تمتد على طول الخط الأصفر، مع الإشارة إلى أنهم يريدون التنسيق امنياً وعسكرياً مع الجيش اللبناني حول كيفية ضبط الوضع فيها، ونشر كاميرات موجهة إلى شمال الليطاني وتعمل على برامج الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى أجهزة حساسة لرصد الحركة أو الأسلحة.
وركّز الجانب الإسرائيلي أيضاً على ملف المسيّرات الانقضاضية التي يمتلكها حزب الله ويعمل على تطويرها، وطرح آليات للسيطرة على أماكن تصنيعها ومراكز تطويرها. وعلى الرغم من تباعد الشروط والمطالب، إلا أن الدولة اللبنانية لا تزال مصرة على مواصلة المفاوضات، لأن الانسحاب منها قد يدفع الأميركيين للسماح لنتنياهو بمواصلة التصعيد وتوسيعه أكثر. كما أن لبنان ينتظر ما يمكن أن يتقرر في المفاوضات السياسية التي ستعقد يومي 2 و3 حزيران، قبل تحديد موعد جديد لمفاوضات عسكرية وأمنية.
ميدانياً، يسيّر نتنياهو عمليته العسكرية في جنوب لبنان، فيسرعها ويكثف النار، ويوسع الإخلاءات ونطاق السيطرة والاحتلال لتثبيت واقع عسكري جديد في حال فرض الأميركيون عليه وقف النار. يبدو نتنياهو في سباق مع الزمن، بينما الكثير في لبنان والخارج يعتبرون أنه في حال لم يتعرض لضغط أميركي جدي لوقف الحرب، فيمكن للإسرائيليين مواصلة التوغل إلى مناطق ونقاط غير متوقعة. أحد الدبلوماسيين يعتبر بأنه في حال لم يتعرض نتنياهو لضغط كبير يجبره على وقف الحرب، فهو ينوي التقدم حتى نهر الأولي. مصادر أخرى تتحدث عن نيته الجدية الوصول إلى نهر الزهراني مع فتح معركة جبل الريحان وإقليم التفاح.
خلال الأيام القليلة الماضية، حقق الإسرائيليون تقدماً ميدانياً، خصوصاً مع الوصول إلى قلعة الشقيف التي تعتبر نقطة استراتيجية جداً في الجنوب، وهي تقع على مرتفع شاهق تمكن الإسرائيليون من كشف مساحات واسعة من جنوب الليطاني وشماله، وهم يستعدون للتقدم نحو كفرتبنيت وتلة علي الطاهر المشرفة على النبطية من جهة الشرق، ويبدو أن الهدف الإسرائيلي هو السيطرة على مدينة النبطية بالنار، لذلكَ فإنَّ قواتها تتقدم باتجاهها من محور آخر هو محور زوطر باتجاه ميفدون، وهي البلدة المشرفة عليها بشكل مباشر. تلة الشقيف تشرف على مناطق واسعة من جبل الريحان، ومن الطريق الذي يربط البقاع الغربي بالجنوب، وعلى هذا المحور أيضاً يتقدم الإسرائيليون في بلدة دبين ومنها يستعدون للتقدم نحو بلدة بلاط التي تشرف على كفرمان، وعلى طريق الخردلي وعلى وادي برغز وجبل الريحان، بعض المصادر تعتبر أن برغز يشكل هدفاً استراتيجياً لإسرائيل.
بالسيطرة على الشقيف، والتقدم نحو علي الطاهر، تكون إسرائيل بصدد إعادة رسم خط المنطقة الأمنية التي كانت تحتلها قبل العام 2000، وفي حال قررت استكمالها فهذا يعني أنها تريد خوض معركة جبل الريحان وإقليم التفاح، خصوصاً أن هاتين المنطقتين تشكلان خط الدفاع الثالث والأخير في الجنوب بالنسبة إلى حزب الله. بينما هناك ضغوط كبيرة تمارسها الدولة اللبنانية على الأميركيين للمطالبة بوقف إسرائيل لعمليتها العسكرية.



