أخبار عاجلة
خوف من تثبيت “منطقة عازلة” على التلال -
“إدارة للتصعيد” لا وقف نار -
سلام ردّ على إنكار “الحزب” التسبُّب بالعدوان -
أضرار “الإتصالات” تفوق حرب الـ 2024 -
وراء ضجيج “البروباغندا”.. محور ينهار -
بوتين: صداقتنا مع الصين ليست موجهة ضد أحد -

العفو العام بين العدالة و”سوق عكاظ” السياسي

العفو العام بين العدالة و”سوق عكاظ” السياسي
العفو العام بين العدالة و”سوق عكاظ” السياسي

كتب كبريال مراد في “نداء الوطن”:

يعود اقتراح قانون العفو العام وتخفيض مدة العقوبات بشكل استثنائي إلى طاولة اللجان النيابية المشتركة اليوم، وسط انقسام سياسي حادّ وحساسية شعبية وأمنية واسعة، جعلت من الملف واحدًا من أكثر القضايا إثارة للجدل في المرحلة الراهنة. إلا أنّ هذا المسار يبدو بمثابة “الممر الإلزامي” الذي يريده رئيس مجلس النواب نبيه بري، تمهيداً لعقد جلسة تشريعية في الأيام المقبلة.

وفي هذا السياق، تتزامن جلسة اللجان مع اجتماع لهيئة مكتب المجلس بعد ظهر اليوم، بهدف وضع جدول أعمال الجلسة التشريعية المرتقبة، في ظل محاولات سياسية لتثبيت “أرضية مشتركة” تسمح بتمرير الملف بأقل قدر ممكن من الانفجار السياسي والشعبي.

الاجتماع التشاوري الذي ترأسه نائب رئيس المجلس إلياس بو صعب انقسم إلى مرحلتين، قبل الغداء وبعده، وتركّز النقاش خلاله على محاولة تضييق الهوّة بين القوى السياسية، خصوصاً في ما يتعلّق بملف الموقوفين منذ أكثر من اثنتي عشرة سنة من دون أحكام نهائية، إضافة إلى مسألة “الإدغام” بين الجرائم والأحكام.

كما حضر وزير الدفاع الدقائق الأولى من الاجتماع الصباحي، مقدّماً ورقة تتضمّن ملاحظات المؤسسة العسكرية على ما جرى الاتفاق عليه سابقاً في بعبدا، في خطوة نُسّقت مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، مع التأكيد أنّ القرار النهائي يبقى بيد المجلس النيابي.

في المقابل، سُجّل غياب عدد من الكتل والقوى السياسية عن الاجتماع، على أن يشاركوا في اللجان اليوم، من بينهم نواب “الاعتدال الوطني” و”التوافق الوطني” و”القوات اللبنانية” و”حزب الكتائب اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” و”اللقاء الديمقراطي”، إلى جانب عدد من النواب المستقلين. بينما شارك النواب الموقّعون على اقتراح العفو، ومن بينهم عماد الحوت ونبيل بدر ووليد البعريني وبلال الحشيمي، إضافة إلى النواب آلان عون وعلي حسن خليل وغازي زعيتر وحسين الحاج حسن وجميل السيد وبولا يعقوبيان.

مواجهة سياسية

خلال الأيام الأخيرة، خرج النقاش حول قانون العفو من الإطار القانوني البحت، ليتحوّل إلى مواجهة سياسية وأخلاقية تتداخل فيها الحسابات الطائفية والشعبوية والانتخابية، مع هواجس الأمن والعدالة وحقوق الضحايا.

فمنذ إعادة طرح المشروع داخل اللجان المشتركة، بدا واضحًا أنّ العقدة الأساسية لا تكمن في مبدأ العفو بحدّ ذاته، بل في طبيعة المشمولين به وحدود هذا العفو. فهناك من يدفع نحو عفو واسع يشمل فئات متعددة من السجناء والمطلوبين، فيما تتمسّك جهات أخرى بحصره بالحالات الإنسانية والاجتماعية، ورفض أي صيغة قد تؤدي إلى تبييض ملفات مرتبطة بالإرهاب أو الاعتداء على الجيش أو الجرائم الخطيرة.

وفي قلب هذا الاشتباك، برز ملف الموقوفين الإسلاميين بوصفه النقطة الأكثر حساسية. إذ تخوض قوى سياسية معركة واضحة باتجاه تخفيف الأحكام أو توسيع هامش الاستفادة من العفو لهذه الفئة، تحت عنوان معالجة “مظلومية” امتدت لسنوات، وإنهاء ملفات مرتبطة بمرحلة أمنية معقّدة عاشها لبنان منذ أحداث نهر البارد وعبرا وطرابلس وغيرها.

لكن في المقابل، ارتفعت أصوات معارضة تعتبر أنّ أي تساهل في هذا الملف يشكّل طعنة لدماء العسكريين الذين سقطوا في مواجهة التنظيمات المتطرّفة، وأنّ العدالة لا يمكن أن تتحوّل إلى مادة للمساومة السياسية أو الاستثمار الانتخابي.

وفي موازاة هذا الانقسام، حضرت أيضًا ملفات إنسانية واجتماعية مرتبطة بقانون العفو، أبرزها أوضاع السجون اللبنانية المكتظّة، وطول أمد المحاكمات، ووجود موقوفين أمضوا سنوات خلف القضبان من دون أحكام نهائية، إضافة إلى ملف اللبنانيين الذين دخلوا إسرائيل عام 2000 مع الانسحاب الإسرائيلي، ولا تزال تداعيات هذا الملف مستمرة حتى اليوم.

لكن، رغم هذه العناوين الإنسانية، يبقى الخوف قائمًا من تحوّل القانون إلى “سلّة سياسية” تُحشر فيها ملفات متناقضة تحت ضغط التسويات والمحاصصة، بما يفقده أي بُعد إصلاحي أو عدالتي حقيقي.

وفي الأساس، لا يمكن مقاربة ملف بهذا الحجم بعقلية تسجيل النقاط السياسية أو دغدغة الغرائز الطائفية. فالعفو ليس مجرد إجراء قانوني عابر، بل قرار يمسّ مفهوم العدالة وهيبة الدولة وثقة المواطنين بالمؤسسات. لذلك، فإن أي مقاربة جدّية يجب أن تنطلق من معايير واضحة وثابتة، توازن بين البعد الإنساني وحقوق الضحايا ومتطلبات الأمن والاستقرار.

لبنان اليوم أمام اختبار جديد: هل ينجح في إنتاج قانون عفو عادل ومتوازن يعالج المآسي الإنسانية من دون ضرب العدالة؟ أم أنّ الملف سيلتحق مجددًا بسلسلة التسويات التي تُدار بمنطق المصالح لا بمنطق الدولة؟

وهل ستنجح اللجان المشتركة في تثبيت “الأرضية المشتركة” الثلثاء، أم أنّها ستكتفي بتمرير الملف إلى الهيئة العامة، حيث يبدأ “سوق عكاظ” السياسي والشعبوي والتشريعي؟

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق إلغاء شهادة “البريفيه”؟
التالى خيارات دبلوماسية وسياسية أميركية للضغط على إيران