أخبار عاجلة
“الحزب” يستعدّ لـ”الإسناد الثالث”! -
لقاء لبناني – إسرائيلي غير رسمي -
الهدنة بدأت… هل ينجح “الاختبار”؟ -
النافعة Before and After: عام على “ورشة الإصلاح” -
دور سعودي إيجابي غير مُعلن! -
600 مسيرة أوكرانية تضرب روسيا -

قراءة دستورية في ضرورة إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان

قراءة دستورية في ضرورة إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان
قراءة دستورية في ضرورة إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان

كتب محمد مشيك في اللواء:

يتجدّد النّقاش اليوم حول إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان، على صعيد الميدان التشريعي والحقوقي، وهذا ما يضع السلطة التشريعيّة أمام إمتحان الإلتزامات الدوليّة للدولة اللبنانية، وأمام مرتكزات العقد الاجتماعي اللبناني والمتمثّل بدستور 1990.

هناك أراء متناقضة بخصوص إلغاء عقوبة الإعدام، هناك جهات تدافع عن موضوع إبقاء عقوبة الإعدام، مقدمين حجج وفقا لرؤيتهم بأنّ المواثيق الدوليّة ولا سيما العهد الدولي للحقوق المدنيّة والسياسية لم تحظّر الإعدام بالمطلق، بل قيّدته من خلال فرض ضوابط موضوعية وإجرائيّة. ونحن نعتبر بأنّ هذه القراءات غفلت عن مسار تطوّر القانون الدولي، إضافة إلى أنّ قراءتها للنصوص الدستورية هي قراءة جامدة وغير معاصرة.

فالقول بأنّ المادة 6 من العهد الدولي الخص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة لعام 1966، لم تحظّر عقوبة الإعدام بشكل مطلق، فتكون هنا حججهم لا تتعدّى عن التفسير اللّفظي لظاهر النّص، دون التعمّق بغايته كنصّ حقوقيّ. ونجد أنّ اللّجنة المعنيّة بحقوق الإنسان من خلال تعليقها العام رقم 36 لعام 2018، بخصوص الحقّ في الحياة، بأنّ نصّ المادة 6 جاءت صياغتها توجيهيّة نحو «الإلغاء الحتمي». لذلك فإنّ وجود عقوبة الإعدام ضمن النّص جاء كإستثناء مؤّقت وضيّق جدّاً، بينما نصّت الفقرة السادسة من المادة 6 بشكل صريح على أنّه: «لا يجوز التذرّع بأيّ حكم من أحكام هذه المادة لتأخير أو منع إلغاء عقوبة الإعدام من قبل أيّ دولة طرف في هذا العهد».

بينما نجد أنّ البروتوكول الاختياري الثّاني لعام 1989، الملحق بالعهد الدولي للحقوق المدنيّة والسياسيّة لعام 1966، والّذي يهدف إلى إلغاء عقوبة الإعدام، ليعلن في ديباجته أنّ: «إلغاء عقوبة الإعدام يسهم في تعزيز الكرامة الإنسانيّة والتطوّر التقدّمي لحقوق الإنسان».

وعليه يكون قراءة الإلتزامات الدوليّة كحزمة متكاملة لا تتجزأ. ويكون الاستمرار بتطبيق عقوبة الإعدام هو إرتداد عن فلسفة العهد الدولي للحقوق المدنيّة والسياسيّة لعام 1966 نفسه. ومخالفة صريحة للمادة 26 من إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969.

بعد أن استعرضنا النصوص الدوليّة، فإنّ المنظومة الداخليّة اللبنانيّة والسيرورة القضائيّة الداخليّة، مهما بلغت دقتها والضمانات الموضوعة (مثل موافقة لجنة العفو ورئيس الجمهوريّة بموجب المادة 43 من قانون العقوبات اللبناني)، تبقى عرضة للخطا وسوء التقدير البشري. تتوزّع عقوبة الإعدام في لبنان على عدّة نصوص:

  • قانون العقوبات اللبناني (المرسوم الاشتراعي رقم 340/1943): من خلال المواد 43، 549 والمتعلقة بالقتل العمد والمواد المتعلقة بالخيانة والإرهاب.
  • قانون العقوبات العسكري (القانون رقم 24/1968): هذا القانون يتوسّع في فرضها على العسكريين في حالات الخيانة والفرار أمام العدو.
  • القانون رقم 632/2004: هذا القانون علّق بموجبه تطبيق الأسباب المخفّفة التقديرية على الجنايات الكبرى، وبالرغم من إلغائه لاحقاً بموجب القانون رقم 632/2004 الّذي أعاد للمحاكم سلطتها التقديريّة في تخفيف العقوبة، إلّا أنّ العقوبة بقيت مدرجة في النّص.

وبالتالي الاستمرار بتطبيق عقوبة الإعدام هو هدم لجوهر العدالة، لأنّ أيّ خطأ وإيقاع عقوبة الإعدام فإنّ أيّ خطأ بهذا الخصوص، لا يمكن تداركها، فكيف يمكن أنّ نعيد شخص إلى الحياة بعد أنّ نوقع به حكم الإعدام ومن ثمّ تبيّن بأنّه بريء. وهذا ما يعيد إنتاج فعل القتل وإزهاق الحياة ولكن هذه المرّة بإسم الدولة، هذا ما يناقض فلسفة وجود أي عقد إجتماعي.

وأمّا بالنسبة لموضوع المواثيق الدوليّة وتراتبيتها القانونية وآلية إندماجها، إنّ المشرّع الدستور اللبناني عندما أضاف الفقرة ب بعد تعديلان 1990، حيث نصّت صراحة على انّ لبنان: «عضو مؤسّس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتجسّد الدولة هذه المباد في جميع والحقول دون إستثناء». جعل من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الحقوقيّة جزءاً لا يتجزأ من الدستور، وهذا يعتبر نقلة نوعيّة من خلال دستورة الحقوق الدوليّة، خاصة وأنّ الدستور اللبناني لا ينص بشكل مباشر على غالبية الحقوق والحريات.

ضمّن المجلس الدستوري اللبناني في بعض قرارته القيمة الدستوريّة لمقدّمة دستور 1990، معتبراً أنّها تشكّل كتلة متكاملة ولا تتجزا مع النصّ الدستوري (Bloc de constitutionnalité). حيث أكّد المجلس الدستوري اللبناني بموجب القرار رقم 2/2001 ومن خلال الإرتكاز على قرارات سابقة مثل القرار 4/1996، أنّ القوانين يجب أنّ تكون متلازمة مع الاتفاقيات الدوليّة الّتي إنضمّ إليها لبنان، وأنّ أنسنة القوانين وحماية الحقوق اللّصيقة بالإنسان هي موجب دستوري.

وبالعودة إلى المادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فإنّها تؤكّد على: «مطلقيّة الحقّ في الحياة»، وحيث إنّ لمقدّمة الدستور اللبناني لها قيمة دستوريّة مساوية لأحكامه وهذا ما نصّت عليه قرارات المجلس الدستوري اللبناني، يكون أيّ نصّ تشريعي أدنى (كمواد قانون العقوبات اللبناني المتعلقة بعقوبة الإعدام)، والتي ما زالت تجيز عقوبة الإعدام تكون واقعة في فخّ (المخالفة الدستوريّة الصّارخة).

ألغيت عقوبة الإعدام في فرنسا بموجب قانون «روبير بادينتر» لعام 1981، ومن ثمّ تمّ إدخال هذا التعديل إلى متن الدستور الفرنسي عام 2007 بإدخال المادة 66-1 والّتي نصّت صراحة: «لا يجوز الحكم على أحد بعقوبة الإعدام». وفي قرار شهير صادر عن المجلس الدستوري الفرنسي رقم DC524/2005 ، الّذي يتعلّق بالبروتوكول رقم 13 للاتفاقيّة الأوروبيّة لحقوق الإنسان، حيث اعتبر المجلس الدستوري الفرنسي أنّ إلغاء عقوبة الإعدام يعتبر إلتزاماً دستورياً ثابتاُ يرتبط بالحقوق اللصيقة بالكرامة الإنسانيّة.

لذلك هناك واجب تدخّل تشريعي لإلغاء عقوبة الإعدام، فالمجلس الدستوري اللبناني لم يعطِ المشرّع صكّاً بإنتهاك الإلتزامات الحقوقية الدوليّة، بل أكّد على اﻵليّة الإجرائيّة، بالرغم من أنّه غفل التراتبية الّتي تحدّثنا عنها أعلاه. إنّ بقاء عقوبة الإعدام تعتبر من حالات التراخي التشريعي، وهذا ما يتنافى مع مبدأ حسن النيّة في تنفيذ المعاهدات الدوليّة الّتي نصّت عليها المادة 26 من إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969.

إنّ موضوع إلغاء عقوبة الإعدام هو إستحقاق دستوري تفرضه فلسفة الحقوق اللّصيقة بالشخصيّة الإنسانيّة. فالتعديلات التلطيفية مثل القانون 183/2011 لم تعد كافية، في موضوع أصبح بموجبه القضاء الدستور يربط بين الحقّ في الحياة والحظر المطلق للتعذيب والمعاملة اللاإنسانيّة والمهينة من خلال تلازم المادتين 6 و7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966.

لذلك هناك واجب وطني ودستوري ودولي يقع على المشرّع اللبناني وخصوصاُ اللجان النيابية، العمل على إلغاء عقوبة الإعدام من قانون العقوبات اللبناني، ليتوافق قانون العقوبات مع روح الدستور اللبناني ومبادئ العدالة الجنائية الحديثة، التي تقوم على الإصلاح والتقويم، لا على الفناء والمحو.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق روبيو: من مصلحة الصين إنهاء أزمة “هرمز”
التالى خيارات دبلوماسية وسياسية أميركية للضغط على إيران