أخبار عاجلة
هل من خوف على السلم الأهلي؟ -
سعر خام برنت يرتفع -
لماذا يرفض “الحزب” التفاوض المباشر؟ -
الصورة ضبابية والاستنزاف متواصل -
خطط أميركية لضربات جديدة محتملة على إيران! -
بري وعون.. تواصل مستمر ولقاء مؤجل -
لبنان و”غلاء الحرب”: التضخم يرتفع بنسبة 17.26% -

لبنان أمام فرصة تاريخية لتفادي “سيناريو غزة”

لبنان أمام فرصة تاريخية لتفادي “سيناريو غزة”
لبنان أمام فرصة تاريخية لتفادي “سيناريو غزة”

كتب شارل جبور في “نداء الوطن”:

يقف لبنان اليوم أمام مفترق حاسم قد يحدّد مصيره لعقود مقبلة، فإما أن يُنهي الصراع مع إسرائيل كمفتاح لإنهاء حروبه واستعادة الدولة دورها المخطوف، وإما أن ينزلق إلى ما يمكن تسميته بـ”سيناريو غزة”، أي التحوّل إلى ساحة مستنزفة، محاصرة، منهارة، ومتروكة لمصيرها في ظل غياب الدولة الفعلية وانهيار مقومات الحياة.

الأولوية التي لا يجوز أن تعلو عليها أي أولوية أخرى، بالنسبة لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وكل من يؤمن بقيام دولة فعلية، هي الحفاظ في هذه المرحلة على الثقة الأميركية وعدم التفريط بها. وتمثل هذه الثقة اليوم الرافعة الوحيدة القادرة على إخراج لبنان من أزمته الوجودية. وأثبتت التجارب أن أي مسار إنقاذي، سياسي أو اقتصادي أو أمني، يمرّ حكمًا عبر بوابة الدعم الدولي، وفي مقدّمه الدعم الأميركي. وقد أظهرت وقائع وقف إطلاق النار أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لم يكن يرغب في هذا الوقف، بل اضطر إليه تحت ضغط مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ما يعني أن القرار بيد ترامب.

إن التفريط بهذه الثقة يعني عمليًا ترك لبنان لمصيره، لأن الفرصة ليست مفتوحة، والرئيس الأميركي لديه طباع خاصة به، وبالتالي قد ينتقل سريعًا من الدعم إلى التخلي. والمصير هنا ليس مجهولا، بل يمكن استشرافه بوضوح من خلال النموذج الغزي. في غزة، لم يكن الدمار وحده هو المأساة، بل تحوّل القطاع إلى كيان معلّق بين الحرب والهدنة، يعيش شعبه على المساعدات، فيما القرار الفعلي ما زال بيد حركة “حماس” التي لم تسلّم سلاحها تمهيدًا لإدارة مستقلة انتقالية. وهذا الوضع لا يزعج إسرائيل التي ضمنت أمنها بقوة الأمر الواقع، ولم تعد الحركة تشكّل خطرًا عليها، بل إن إبقاء الوضع على ما هو عليه يخدم أهداف إسرائيل، فيما غزة لم تستعد عافيتها بسبب تمسّك الحركة بالسلاح. وبالتالي انتهت الحرب هناك من دون أن تُحسم مسألة السلاح، فبقيت الأزمة مفتوحة، وبقي السكان رهائن واقع مأسوي طويل الأمد. ومن الواضح أن “حماس” اختارت مصلحتها باحتفاظها بالسلاح على حساب مصلحة غزة وأهلها.

يلوح هذا السيناريو نفسه في الأفق اللبناني. فإسرائيل، التي أظهرت في المواجهات الأخيرة تفوقًا عسكريًا واضحًا، لم تعد مضطرة للبحث عن تسويات كلاسيكية، ولا بالتأكيد عن إنهاء حرب تعيد تعويم “حزب الله” وإبقاء خطره بعدما تمكّنت من إزالة هذا الخطر بنسبة عالية جدًا. أولويتها أمنية بحتة، وهي قادرة على تحقيق هذه الأولوية بقدراتها الذاتية، وبدعم وغطاء أميركي كاملين. وإذا ضمنت أمنها، فلن يكون لديها أي دافع لإنهاء حالة اللااستقرار في لبنان، بل قد تجد فيها مصلحة استراتيجية.

أما “حزب الله” فيواجه واقعًا مختلفًا جذريًا عن المراحل السابقة. فلم يعد يمتلك هامش الحركة الذي كان متاحًا له في ظل المعادلة السورية السابقة، وهو اليوم محاصر جغرافيًا ومكشوف أمنيًا. وأي محاولة لإعادة إنتاج توازنات الماضي تبدو أقرب إلى الوهم، في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية. ويخطئ تمامًا إذا اعتقد أن بإمكانه العودة إلى تجربة ما قبل العام 2000 أو بعدها، أو بعد عام 2006، فلا الجغرافيا تسمح له بذلك، ولا إسرائيل الجديدة في وارد العودة معه إلى قواعد الاشتباك. فأمامه خياران لا ثالث لهما: إما تسليم سلاحه خدمةً لناسه وأهله بعدما تحوّل هذا السلاح إلى سبب لموتهم وتهجيرهم وجرف منازلهم، ولم يعد له من أفق، وإما الاحتفاظ بسلاحه في ظل تفوّق إسرائيلي حاسم، لأن أولويته هي لسلاحه حتى لو تحوّل إلى خردة على حساب أي شيء آخر.

وما يُقدَّم كذبًا وزورًا على أنه “ورقة قوة” للبنان، تحوّل فعليًا إلى أبرز عناصر ضعفه. فبسبب هذا الواقع، باتت إسرائيل تمتلك حرية حركة واسعة، وتحتفظ بأوراق ضغط ميدانية وأمنية داخل الأراضي اللبنانية. وفي ظل هذا الاختلال، يصبح لبنان عاجزًا عن فرض أي معادلة سيادية حقيقية، باستثناء الورقة الوحيدة المتبقية له، وهي الورقة الأميركية. وحدها الولايات المتحدة قادرة على رعاية مسار يؤدي إلى إنهاء الحرب، وإخراج إسرائيل، وإعادة تثبيت الاستقرار. لكن هذه الفرصة ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية. فالسياسات الأميركية محكومة باعتبارات داخلية وخارجية، وأي تردد لبناني قد يُقابل بانكفاء أو بإلقاء المسؤولية على الداخل اللبناني نفسه.

لبنان، إذًا، أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانخراط الجدي في مسار استعادة الدولة، بدءًا من حصر السلاح بيدها، والانخراط في مسار إنهاء الحرب مع إسرائيل، وإما الانزلاق إلى نموذج غزة، حيث دولة شكلية، واقتصاد منهار، وحرب مستمرة، ومجتمع يعيش على هامش الكارثة.

المطلوب اليوم قرار واضح وشجاع. قرار يضع مصلحة اللبنانيين فوق أي اعتبار آخر، ويقرّ بأن استمرار الوضع الحالي لم يعد قابلا للحياة. إن إنقاذ لبنان بحاجة إلى خطوات عملية تبدأ بتثبيت سلطة الدولة واحتكارها للسلاح، وتستكمل بإنهاء الحرب مع إسرائيل، وما بينهما إعادة بناء الثقة مع المجتمع الدولي. قد تكون هذه الفرصة الأخيرة. وإذا أُهدرت، فلن يكون الانهيار مجرد احتمال، بل واقعًا دائمًا. حينها، لن ينفع الندم، ولن يكون أمام اللبنانيين سوى التكيّف مع نموذج لم يختاروه، لكنهم فشلوا في تفاديه، فيتحوّل لبنان إلى غزة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بين عون وبري: “المي بتكذّب الغطاس”
التالى اشتباكات بين “الحزب” والجيش الإسرائيلي في الخيام