الاقتصاد اللبناني قد ينكمش 7 في المئة!

الاقتصاد اللبناني قد ينكمش 7 في المئة!
الاقتصاد اللبناني قد ينكمش 7 في المئة!

كتبت رنى سعرتي في “نداء الوطن”:

توقع معهد التمويل الدولي أن ينكمش الناتج المحلّي الإجمالي في لبنان إذا بقيت الأعمال العدائية محصورة نسبيًا، بنسبة 3 إلى 4 %، وأن تتجاوز نسبة الانكماش 7 في المئة إذا توسّعت المناوشات والأعمال العسكرية العدائيّة.

ذكر معهد التمويل الدولي في أحدث تقرير له حول الحرب الدائرة في الشرق الأوسط أنه في ظلّ سيناريو الاحتواء، من المرجّح أن تستمرّ المناوشات العسكرية، لكنها ستبقى محصورة جغرافيًا. وستتكثف عمليات الأمن البحري، لا سيّما حول الممرّات المائية الرئيسية، ومع ذلك، من المتوقع استمرار شحنات الطاقة مع اضطرابات يمكن السيطرة عليها. ستزداد التحالفات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تماسكًا، وستعزز دول مجلس التعاون الخليجي التنسيق الأمني مع الشركاء الخارجيين، مع إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة في الوقت نفسه لتجنب التصعيد الخارج عن السيطرة. يبقى الانهيار السريع للنظام الإيراني غير مرجّح، حتى في ظلّ ضغوط خارجية متزايدة. يحدّ جهاز الأمن الإيراني، وهياكل القيادة الهرمية، والانضباط الأيديولوجي القوي، بشكل كبير من احتمالية فشل النظام على المدى القريب. حيث تشير الأنماط التاريخية إلى أن التهديدات الخارجية غالبًا ما تعزز التماسك الداخلي بدلًا من إحداث التشرذم.

وأوضح كبير الاقتصاديين في المعهد د. غربيس إيراديان أنه على المدى المتوسط، قد تدفع القيود الاقتصادية المستمرّة وديناميات الأمن الإقليمي المتغيّرة إلى تعديلات تكتيكية في سلوك طهران. ومن المرجّح أن يتجلّى أيّ اعتدال ناتج، في خفض تصعيد مدروس أو تحوّلات في تكتيكات السياسة الخارجية، بدلًا من إصلاح سياسي داخلي ذي مغزى. في المقابل، فإن المحاولات المفروضة من الخارج لتغيير النظام ستنطوي على مخاطر عالية من التفتت الداخلي، وعدم الاستقرار المدني، وتداعيات إقليمية أوسع نطاقًا.

إن النتيجة الأكثر ترجيحًا على المدى المتوسط، في حال استمرار الضغط دون أن يصل إلى حدّ زعزعة الاستقرار، هي إعادة ضبط تدريجية للسياسة ضمن هيكل السلطة القائم. ورأى إيراديان أن قرار إيران بضرب أهداف في البحرين والكويت والإمارات وقطر، حتى وإن صُوِّر على أنه استهداف للأصول العسكرية الأميركية، يعدّ تصعيدًا ملحوظًا. ومن المرجّح أن يدفع تكرار مثل هذه الهجمات، حكومات دول مجلس التعاون الخليجي إلى تعزيز العلاقات الأمنية مع الولايات المتحدة، وتسريع التكامل الإقليمي للدفاع الصاروخي، وزيادة الإنفاق الدفاعي. وفي ظلّ هذه الظروف، سيضيق الحيّز السياسي المتاح للحياد أو خفض التصعيد، ما يُعمِّق التحالفات القائمة على التكتلات. كما تُمثل الضربات الإسرائيلية الأخيرة على أهداف مُختارة في جنوب لبنان وبيروت، والتي يُقال إنها استهدفت شخصيات بارزة في “حزب اللّه”، بمن فيهم أفراد يشغلون مناصب برلمانية، توسّعًا كبيرًا في النطاق الجغرافي للصراع. ومن شأن استمرار هذه المناوشات أن يزيد احتمال إلحاق أضرار أوسع بالبنية التحتية، وتفاقم المخاطر الأمنية، وامتداد التداعيات الإقليمية، ما ستكون له آثار خطيرة على الاستقرار الاقتصادي والسياسي الهش أصلًا في لبنان، وعلى مسار التصعيد العام.

أزمة النفط

وفيما لفت إلى أن المخاطر في دول مجلس التعاون الخليجي تتصاعد وسط الهجمات الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز، أكد أن الهجوم الإيراني بالطائرات المسيّرة والصواريخ على منشآت النفط والتكرير في دول مجلس التعاون الخليجي يمثل تصعيدًا خطيرًا، لا سيّما مع تباطؤ حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، الذي يُعدّ عادةً ممرًا لنحو 20 % من شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، إلى حدّ التوقف شبه التام في أعقاب التهديدات والهجمات الإيرانية. ومع إغلاق المضيق فعليًا، ستعتمد شدّة التأثير الاقتصادي على اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي إلى حدّ كبير على مدّة استمرار الحرب ومدّة استمرار الإغلاق. حتى الانقطاعات القصيرة في طاقة التصدير يُمكن أن تُؤدي إلى تضييق أسواق الوقود، ورفع تكاليف التأمين والشحن، وزيادة أسعار النفط العالمية من خلال ارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية. لكن الإغلاق الذي يتجاوز عدّة أسابيع أو أشهر ستكون له عواقب وخيمة، نظرًا للتقارير التي تُفيد بتعليق عمليات الشحن والتوقف شبه التام لتدفقات ناقلات النفط.

وأشار إيراديان إلى أنه في ظلّ إغلاق مطوّل، قد تواجه اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي ضغوطًا كبيرة: انكماش ملحوظ في الناتج، تدهور في الحسابات الجارية والموازين المالية رغم ارتفاع أسعار النفط الخام، تضاؤل السيولة المحلّية، وارتفاع علاوات مخاطر السندات السيادية. وسيؤدي ذلك إلى مزيد من التراجع في الاستثمار الخاص والسياحة، لا سيّما في الإمارات والبحرين وعُمان، ما يعزز احتمال انكماش الناتج المحلّي الإجمالي المرجح للمنطقة بنسبة 2 %، مقارنةً بتوقعات النمو الأساسية البالغة 3.5 %. وإذا ما بقيت الأضرار المادية التي تلحق بالبنية التحتية محدودة، وتمّ إصلاحها بسرعة، فإن التأثير الاقتصادي الكلّي سيتركز بشكل أكبر على تقلّبات الأسعار وإعادة تسعير الأصول المالية، بدلًا من الخسائر الطويلة الأجل في الإمدادات. ومع ذلك، فإن القضية الأساسية بالنسبة إلى دول مجلس التعاون الخليجي هي ما إذا كان ارتفاع الأسعار قادرًا على تعويض انخفاض حجم الصادرات، إذ قد تؤدي الاختناقات اللوجستية المستمرّة إلى تآكل المكاسب المالية حتى في ظلّ بيئة أسعار مرتفعة. كما أن الاستهداف المتكرّر لأصول الطاقة سيدفع الحكومات إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، وتوسيع هوامش الربح السيادي، والتأثير سلبًا على ثقة المستثمرين.

ورغم قدرة السعودية والإمارات على تحويل بعض النفط الخام عبر خط أنابيب سوميد، إلّا أن طاقته البالغة حوالى 4 ملايين برميل يوميًا تُعدّ ضئيلة مقارنةً بصادراتهما المُجمّعة البالغة 9.5 ملايين برميل يوميًا. وستواجه شحنات عُمان المتجهة شرقًا قيودًا أقل، بينما تفتقر الكويت وقطر إلى طرق بديلة، لا سيّما قطر التي تُعدّ عرضةً للخطر بشكل ملحوظ، إذ تعتمد على المضيق بنحو نصف صادراتها من الغاز الطبيعي المسال. وعلى الرغم من هذه المخاطر، فإن الاحتياطيات المالية القوية في المنطقة، من حيازات سيادية كبيرة، وديون منخفضة، وسياسات مالية مُحافظة، وأنظمة مصرفية ذات رؤوس أموال قوية، وربط قوي بالدولار، من شأنها أن تُخفف المخاوف المتعلّقة بالملاءة المالية. بشكل عام، تنبع المخاطر الرئيسية على المدى القريب من ضغوط السيولة، وتراجع الثقة، واختناقات التصدير، وليس من ضعف الميزانية العمومية.

توقعات دول المنطقة

يعاني الاقتصاد الإيراني بالفعل من ضغوط شديدة نتيجة نقاط الضعف الهيكلية، والعقوبات، والانخفاض الحادّ في قيمة العملة، حيث يتجاوز التضخم 50 % ويتعرّض الريال لضغوط مستمرّة. في ظلّ السيناريو الثاني، من شأن استمرار انقطاع الطاقة وارتفاع علاوات المخاطر أن يُفاقم هذه الضغوط، مع تسارع التضخم إلى أكثر من 70 % واحتمال انكماش الناتج المحلّي الإجمالي بنحو 5 % مع تراجع صادرات النفط والطلب. إلى جانب هذه الآثار الرئيسية، سترتفع معدّلات البطالة وتتعمّق الضغوط المالية. على الصعيد المحلّي، قد تؤدي الصعوبات الاقتصادية المطوّلة إلى تفاقم التوترات الاجتماعية والاضطرابات الدورية، ولكنها قد تُعزز على المدى القريب أيضًا التماسك الأمني داخل النظام السياسي بدلًا من التسبّب في انهيار النظام.

لبنان

أما لبنان فقد انتقل الآن من مرحلة الضعف الشديد إلى مرحلة التعرّض المباشر للصراع. تُشكّل الضربات الإسرائيلية على أهداف محدّدة في بيروت، والتي تهدف إلى تصفية قيادات بارزة في “حزب اللّه”، بمن فيهم شخصيات برلمانية، تصعيدًا خطيرًا، وتطمس الخط الفاصل بين المواجهة العسكرية وزعزعة الاستقرار السياسي. وإذا استمرّت هذه العمليات الموجّهة، لا سيّما في المناطق الحضرية المكتظة، فإن خطر وقوع أضرار جانبية للبنية التحتية المدنية والاقتصادية سيرتفع بشكل كبير.

وأوضح أنه حتى امناورات العسكرية المحدودة ستؤدي إلى تراجع السياحة، وتعطيل حركة الطيران والموانئ، وإضعاف التحويلات المالية، وتفاقم ضغوط سعر الصرف والتضخم نتيجة ارتفاع تكاليف استيراد الوقود. كما ستتدهور ثقة المستثمرين والمغتربين، الهشة أصلًا، بشكل أكبر. إذا بقيت الأعمال العدائية محصورة نسبيًا، فقد ينكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3-4 %. مع ذلك، إذا استمرّت الأحداث أو اتسعت رقعة انتشارها الجغرافي، فقد تتوسّع العمليات الإسرائيلية عبر الأراضي اللبنانية، مُلحقةً أضرارًا جسيمة بالبنية التحتية وشبكات النقل ومنشآت الطاقة والمناطق التجارية. في هذه الحالة، قد يتجاوز انكماش الإنتاج 7 %، تبعًا لمدّة القتال ونطاقه. سياسيًا، من شأن التصعيد المستمرّ أن يعزز خطاب “حزب اللّه” الأمني محليًا، بينما يزيد من الاستقطاب الداخلي ويُضعف مؤسسات الدولة المنهكة أصلًا. مع تفاقم الصعوبات الاقتصادية وتزايد تكاليف إعادة الإعمار، سيواجه لبنان ضغوطًا أمنية كلية حادة، مع تزايد مخاطر الاضطرابات المالية وعدم استقرار العملة والتشرذم السياسي الأوسع.

إسرائيل

في ظلّ السيناريو الثاني (التصعيد الإقليمي المستمرّ)، ستواجه إسرائيل صدمة اقتصادية كبيرة ولكن يمكن السيطرة عليها. قد ينكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1 % (مقارنةً بنموّ قدره 3 % في السيناريو الأساسي) تبعًا لمدة ونطاق الأعمال العدائية، لا سيّما إذا استمر القتال مع “حزب اللّه” وإيران. ستؤدي تعبئة الاحتياطيات إلى انخفاض المعروض من العمالة، وتراجع السياحة بشكل حادّ، وتراجع الاستهلاك والاستثمار الخاصين وسط حالة من عدم اليقين المتزايد. ستزداد الضغوط المالية نتيجة ارتفاع الإنفاق الدفاعي وتكاليف إعادة الإعمار المحتملة، ما سيؤدي إلى اتساع العجز ورفع مستويات الدين. تبقى أسواق الأسهم متقلّبة، وتتسع هوامش العائد السيادي بشكل طفيف.

رغم أن الاقتصاد الإسرائيلي يتمتع بمرونة هيكلية ويتعافى تاريخيًا بعد النزاعات، إلّا أن المواجهة المطوّلة ستضعف بشكل كبير النمو المتوقع في عام 2026، وتزيد الضغوط المالية، وتؤخر تعافي الاستثمارات.

مصر

أشار إيراديان إلى أنه قد يبقى الوضع الاقتصادي الكلي لمصر متماسكًا نسبيًا مقارنةً بالعديد من اقتصادات الشرق الأوسط الأخرى، مستفيدًا من بعدها الجغرافي عن إيران وعدم تعرّض أراضيها لهجمات مباشرة، وهي ظروف تُسهم في دعم معنويات المستثمرين والحدّ من الاضطرابات الأمنية الفورية. مع ذلك، لا تزال مصر تواجه ضغوطًا خارجية متزايدة. فارتفاع أسعار الوقود العالمية سيرفع فاتورة واردات مصر ويُرهق ميزانية الطاقة لديها في عام 2026. وفي الوقت نفسه، إذا اشتدّت اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، نتيجةً للهجمات على السفن التجارية، فسيؤدي ذلك إلى انخفاض حادّ في حركة الملاحة عبر قناة السويس، حيث ستنخفض أحجام العبور بنحو النصف، ما سيقلّل بشكل كبير من مصدر رئيسي لإيرادات النقد الأجنبي. إضافةً إلى ذلك، قد تشهد مصر انخفاضًا طفيفًا في تدفقات النقد الأجنبي من السياحة وتحويلات العاملين المصريين في دول مجلس التعاون الخليجي، ما يعكس حالة عدم اليقين الإقليمية الأوسع. قد تؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى توسيع نطاق احتياجات التمويل الخارجي وتعديل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي مع تكيّف مصر مع ارتفاع تكاليف الاستيراد وضعف الإيرادات المولّدة للعملات الأجنبية.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق ترامب: قرار إنهاء الحرب مع إيران سيكون مشتركا مع نتنياهو
التالى ترامب يُعلنها رسميًا: خامنئي قُتل!