أخبار عاجلة
زيلينسكي: محادثات ثلاثية في أبوظبي حول الأراضي -
بحصلي ينوّه بمعالجة موضوع إخراج البضائع من المرفأ -
الكرملين: ضرورة انسحاب الجيش الأوكراني من دونباس -
التحضيرات لمؤتمر دعم الجيش بين عون وماغرو -
روسيا تسيطر على بلدة سيمينوفكا في خاركيف -
عون أمام وفد جنوبي: لبنان لا يسلَم من دون سلامة جنوبه -
الداخلية السورية: السيطرة على سجن الأقطان في الرقة -
بري غادر قصر بعبدا.. تأكيد على تعزيز الجيش في الجنوب! -

هل اجتاز لبنان قطوع الجفاف؟

هل اجتاز لبنان قطوع الجفاف؟
هل اجتاز لبنان قطوع الجفاف؟

كتبت زيزي إسطفان في “نداء الوطن”:

بعد عام قاسٍ لامس الشح المائي تفاصيل الحياة اليومية للبنانيين، وحبس الجفاف أنفاس الينابيع والأنهار، يعود المطر هذا الموسم ليفتح نافذة أمل حذر. وكشفت  السنة الماضية  هشاشة الواقع المائي في لبنان، حيث تراجعت معدلات المتساقطات إلى مستويات مقلقة، وانخفضت مخزونات السدود والمياه الجوفية، فيما اصطفت سيتيرنات المياه أمام المباني لتأمين احتياجات الناس اليومية من المياه من دون أية خطط بديلة. فهل يشكل التحسّن النسبي لمعدل الأمطار بداية انفراج فعلي في أزمة المياه؟ أم أن مشهد السيتيرنات الهادرة يوميًا لا يبشر بالخير ؟

بين التفاؤل الذي يحمله وقع المطر والثلوج على المرتفعات، والقلق الذي تفرضه التجارب السابقة، يقف لبنان مجددًا أمام اختبارٍ مزدوج: اختبار الطبيعة واختبار البلاد لتحويل هذا المورد الموسمي إلى أمنٍ مائي دائم، يحميها من تكرار سيناريوات العطش، ويمنعها من الوصول إلى حالة التصحر التي يحذر منها الخبراء، ويطرح إجابة واضحة عن سؤال بات ملحًا: هل تكفي الأمطار وحدها لحلّ أزمة لبنان المائية، أم أن الحلّ يتطلب سياسة بيئية ومائية فاعلة  وطويلة الأمد؟

يرى د. جلال حلواني الخبير المائي ومدير مختبر علوم البيئة والمياه في الجامعة اللبنانية، أن هذه السنة بلا شك أفضل من السنة الماضية والتي سبقتها. قد عاد لبنان إلى الأرقام المتعارف عليها والتي اعتادها خلال السنوات العشر الماضية. لكن لا بد من انتظار أواخر شهر شباط لتأكيد كل المعطيات بشكل علمي دقيق. ولكي يصح الحديث عن تحسن الوضع المائي وتجنب لبنان قطوع الجفاف والشح صيفًا، لا بد من أن يبلغ عدد الأيام الماطرة أقله ستين يومًا. وحتى شهر كانون الثاني كان الوضع جيدًا والمتساقطات بلغت حدًا مقبولًا وإن لم تبلغ المعدل العام بعد. فوفق نشرة مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية الصادرة في 19 كانون الأول 2026 لا تزال معظم المناطق أقل من المعدل العام بشكل متفاوت. ففي حين وصلت نسبة الأمطار في القاع إلى 78 % من المعدل العام لا تزال في زحلة في حدود 36 % فقط وفي العبدة عكار 49 % وفي لبعا صيدا 47 % وإن كانت قد وصلت في القليعات كسروان إلى 76 %.

ولكن هذه الأرقام كلها قد تتبدل إذا حمل ما تبقى من كانون الثاني ومن بعده شباط المزيد من المتساقطات وتراكمًا للثلوج. ويمكن حينها القول وفق  حلواني إن الوضع المائي قد بات مريحًا، وإن لبنان تخطى الخط الأحمر. وفي حال حمل آذار المزيد من الأمطار، يكون الوضع المائي قد صار ممتازًا ويمكن حينها التأكيد أننا وصلنا إلى الأرقام المطلوبة التي تؤمن تغذية مخزون المياه الجوفية وملء الخزانات السطحية من سدود وبرك جبلية وخزانات. وما يبشر بالخير أيضًا، تراكم الثلوج على الجبال التي تساهم في تغذية المياه الجوفية كونها تذوب بشكل تدريجي اعتبارًا من آذار لتزيد من منسوب هذه المياه.

أين الإدارة الحكيمة للمياه؟

هل تكفي الأمطار والثلوج وحدها، مهما اشتدت غزارتها، لحل مشاكل لبنان المائية؟ حتى يكون لبنان أهلًا لهذه النعمة ويتمكن من الحفاظ على ما وهبه الله له من ثروة مائية، لا بدّ من اعتماد إدارة حكيمة للمياه وفق ما يقول الخبير المائي حلواني. فلبنان قد مرّ بحالات جفاف صعبة ووصل في السنة الماضية إلى مرحلة تقشف مائي. ويمكن لهذه السنوات أن تتكرر في المستقبل. فما يعانيه لبنان لا يتوقف فقط على نسب المتساقطات بل هو ناجم عن سوء إدارة الموارد المائية وجهل لكيفية التصرف بها بشكل صحيح ومستدام. فلبنان غالبًا ما يتعامل مع الحدث عند حصوله، دون أي استباق للمشاكل أو أسبابها أو محاولات لإيجاد حلول مستدامة لها. وحين تنعم الطبيعة على لبنان بسنة مطرية “يتبحبح” ويشعر بالراحة شاكرًا الله على هذه النعمة. أما إذا شح المطر، فتعلو الصرخات وترتفع الصلوات دون سعي حقيقي لمعالجة جذور المشكلة وإدارة الموارد المائية بشكل حكيم يتيح التمتع بكمية كافية من المياه سواء في سنوات المطر أو الجفاف.

عمليًا، إذا وصل لبنان إلى 90 يوماً ماطراً يكون وضعه المائي جيد وهو يحتاج إلى ثلاث سنوات متتالية يصل فيها عدد الأيام الماطرة إلى تسعين يومًا حتى تمتلئ خزانات المياه الجوفية فيه ويظهر امتلاؤها عبر عودة الينابيع الجبلية إلى التدفق بعد جفاف. وفي السنة الماضية، كان عدد كبير من هذه الينابيع قد جف تمامًا بعد تراجع منسوب المياه الجوفية إلى مستويات مقلقة جدًا. ويمكن إعطاء مثال على ذلك قرية رحبة في عكار التي كانت تعد قرية  أكثر من 300 نبع. أما حاليًا، فليس فيها سوى خمسة ينابيع فقط، تتدفق منها المياه. وهذا ما يشير إلى تراجع منسوب المياه الجوفية إلى مستويات كارثية. لكن، مع تزايد نسبة المتساقطات هذه السنة، لا شك أن المنسوب قد عاد إلى ارتفاع وبات بالإمكان الحديث عن مخزون أبيض لليوم الأسود. وبات من الممكن الاستفادة من البرك الجبلية والسدود الصغيرة لتخزين المياه واستعمالها للري في فترتي الربيع والصيف .

في العالم لم تعد الطرق الطبيعية للاستفادة من الأمطار وإعادة تخزين المياه الجوفية كافية، بل بات بالإمكان اللجوء إلى وسائل أكثر تطورًا، بحسب ما يشرح الخبير المائي، وهي تقوم على شحن المخزون الجوفي بطريقة اصطناعية والعديد من الدول يلجأ إلى هذه التقنية.

التصحّر خطر لا يمكن تجاهله

هل يمكن لشح المياه الذي شهده لبنان في المواسم السابقة أن يكون مؤشرًا إلى اتجاه البلاد نحو المزيد من التصحر نتيجة التغيّر المناخي؟ التصحر مفهوم علمي يعتمد على معايير دقيقة. لذلك، قد لا يكون الحديث عن تصحّر لبنان في محله، رغم كون العديد من التقارير العلمية قد أوردت وجود مؤشرات علمية تُظهر أن لبنان يواجه مخاطر وتدهورًا في الأراضي يمكن ربطها بظاهرة التصحر، لكن بدرجات متفاوتة من منطقة إلى أخرى. ومن هذه المؤشرات، انخفاض تغطية الغطاء النباتي في بعض المناطق بسبب إزالة الغابات والرعي الجائر، وتآكل التربة وزيادة انجرافها في المرتفعات بسبب تقطيع الأراضي الزراعية وتغير أنماط الزراعة. هذا إضافة إلى جفاف ينابيع ومصادر مائية صغيرة ترتبط بتراجع المتساقطات خلال السنوات الماضية وتسجيل حالات جفاف متكرّرة ومتزايدة في عقود ماضية، ما يضغط على الموارد المائية والتربة. ويأتي كل ذلك في ظل ارتفاع درجات الحرارة في لبنان نتيجة الاحتباس الحراري، ما يُسهم في تسريع تدهور الأراضي وزيادة نسبة تصحرها لا سيما في بعض المناطق مع تحذيرات من تفاقم المشكلة إذا استمرت عوامل الضغط المناخي والبشري دون تدخل مؤثر.

في معرض شرحه لظاهرة التصحر في لبنان، يؤكد حلواني أن طبيعة لبنان الجغرافية والفيزيائية والمناخية مختلفة عن الكثير من الدول ولا سيما المجاورة. ووجود تضاريس جغرافية محددة مثل سلسلة الجبال الغربية وسهل البقاع والسهول الساحلية يجعله محميًا نوعًا ما من التصحر لكنه يتأثر بالتغيرات المناخية بشكل نسبي وإن بشكل أقل من بقية الدول. لكن كون لبنان بلدًا صغيرًا فإنه يتأثر أكثر بالتوسع العمراني الذي يقضي على الغطاء النباتي شيئًا فشيئًا ويساهم في عملية التصحر. فالثروة الحرجية في لبنان تتقلص سنة بعد سنة فيما الدول كافة تسعى لزيادة المساحات الحرجية فيها وتساهم في تشجير حتى المدن المكتظة. في لبنان الاتجاه هو نحو زيادة الكتل الإسمنتية وتزفيت الطرقات الزراعية ما يجعله يسير بإرادته نحو التصحر.

إن الحل هو بإعادة تفعيل التشجير في المدن والبلدات والقرى، كما في المناطق الجبلية، والحد من الزحف العمراني في السهول لا سيما البقاع. ومن الأفكار المطروحة التي تم اعتمادها في بعض البلدان، تعديل مواقف السيارات بحيث لا تعود مغطاة بالأسفلت أو الباطون اللذين يمنعان تسرّب المياه إلى الجوف واعتماد الأرض الترابية مع شبكات حديد خفيفة تتيح للمياه التسرب إلى باطن الأرض، وبهذه الطريقة لا يتم إلغاء الأراضي الزراعية لحساب مواقف السيارات بل استغلال المواقف لتخزين المياه.

وضع لبنان منذ العام 2003 خطة وطنية لمكافحة التصحّر ضمن اتفاقية الأمم المتحدة. وشرحت الخطة الأسباب والانعكاسات وطرق المواجهة، لكن الكل يعلم أن الزلازل السياسية والأمنية التي أصابت لبنان بعد العام 2005 وتركت تأثيراتها السلبية على كل نواحي الحياة فيه، كانت  البيئة  الأكثر تأثرًا وعانت من إهمال شبه تام. فهل يمكن اليوم لحكومة الرئيس نواف سلام في عهد الرئيس جوزاف عون أن تلتفت أكثر إلى المواضيع البيئية وتعيد رسم سياسة مائية مجدية ومستدامة قادرة على مواجهة الجفاف المحتمل وتحمي لبنان من التصحّر؟

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق لبنان يقترب من إنجاز اتفاقية تسليم المحكومين السوريين إلى بلادهم
التالى لقاء عون – بري: تصعيد “الحزب” محور البحث