أخبار عاجلة
ضربة أميركية ضد إيران هذه الليلة؟! -
أبو الحسن: سلاح “الحزب” أصبح عبئًا على اللبنانيين -
“الحزب” يفتح النار على عون ويهدّد! -
مصدر في “القوات”: مواقف عون تركت ارتياحًا واسعًا -
مؤتمر دعم الجيش لا يحجب بقية الملفات -
“الحزب” يلوّح بـ”حرب أهلية” لمواجهة سحب سلاحه -
ضربة إيران بمرحلتين.. وقد تشمل لبنان! -
هل يكرِّر ترامب نموذج فنزويلا في إيران؟ -
مؤتمر دعم الجيش يلاقي تقدُّم خطة نزع السلاح -

لبنان على حافة الانفجار النفسي

لبنان على حافة الانفجار النفسي
لبنان على حافة الانفجار النفسي

كتب مازن مجوز في “نداء الوطن”:

شكّل مشهد فتاة تسير عارية بالكامل على كورنيش صور البحري، منهارة نفسيًا، مشهدًا صادمًا وغير مألوف لرواد الكورنيش، وسط نظرات المارة وعدسات الهواتف.

لم يكن المشهد مجرّد فعل فردي أو عارضًا منعزلًا، بل مرآة لانهيار أعمق يطال الصحة النفسية في لبنان، نتيجة تراكمات اقتصادية، اجتماعية، وتربوية خانقة. حين تخرج المعاناة إلى العلن بهذا الشكل، تُصبح صرخة لا يمكن تجاهلها، صرخة لن يكون تاريخ 12 كانون الأول 2025 “خاتمة الأحزان” للفتاة، ولا لذويها ولا لمجتمعها ولا لبلدها لبنان .

هذه الحادثة، وغيرها الكثير، تطرح تساؤلات جوهرية حول مدى جهوزية لبنان، كمجتمع ومؤسسات، لمواجهة تنامي الاضطرابات النفسية وانتشار الأمراض العقلية .

تشير دراسات وتقارير حديثة صادرة عن ” World Population Review ” في أواخر العام 2025، أن لبنان احتل المرتبة الثانية عربيًا بعد تونس والخامسة عالميًا من حيث انتشار الأمراض العقلية والاضطرابات النفسية، مثل الاكتئاب والقلق، بسبب الضغوط النفسية، التوتر المزمن، والأزمات الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة، التلوث الذي يؤثر على الجهاز العصبي. ما يستدعي تدخلًا عاجلًا في السياسات الصحية.

وتشمل هذه الدراسات مؤشرات لنسب انتشار الاكتئاب، القلق، اضطرابات “ثنائية القطب”، الفصام، واضطرابات ما بعد الصدمة، وتعكس هذه المرتبة مستوى الضغط المعيشي وحالة عدم الاستقرار وتراكم الصدمات السياسية والاقتصادية، فضلًا عن ضعف أنظمة الرعاية الصحية والنفسية. ما يثير أسئلة جوهرية حول مدى كفاءة إمكانات لبنان لمواجهة هذا التحدي؟ وما أبرز مخاطر هذا الانتشار في حال لم تكن محاولات المواجهة كافية؟

الإختصاصي في الطب النفسي الدكتور سمير جاموس يؤكد صحة هذا الواقع، كاشفًا أنه ليس لدى لبنان إمكانات مواجهة هذا التحدّي لأسباب عديدة، أهمّها عدم وعي المسؤولين والمواطنين إلى أهميّة الصحّة النفسيّة، وإلى افتقار المواطن إلى الحد الأدنى من الثقافة النفسيّة واعتباره أن الطبيب النفسي هو “طبيب المجانين”، أضِف إلى ذلك افتقار سوق الدواء اللبناني إلى العديد من الأدوية النفسيّة، وأخيرًا قُدرة المواطن اللبناني على شراء الأدوية النفسيّة من دون وصفة طبيّة، الأمر الذي يؤدّي إلى مضاعفات نفسيّة خطيرة مع احتمال الوقوع في إدمان المهدّئات.

الأمر لا يتوقف هنا، فالتفرعات ليست أقل خطرًا من المخاطر المتأتية من الأسباب، ينبه جاموس، معطيًا مثال الانتشار الواسع لعلماء النفس غير الكفوئين، الذين يمتهنون العلاج النفسي، إضافة إلى نزعة المريض النفسي اللبناني إلى التوجّه إلى عالِم النفس أو المعالج النفسي “قبل استشارة طبيب نفسي”، علمًا أن هذا الأخير هو من يحدِّد التشخيص وطريقة العلاج. فضلًا عن جشع الأكثريّة الساحقة من أطبّاء النفس الذين لا يلتزمون بتسعيرة نقابة أطبّاء لبنان للمعاينة الطبيّة النفسيّة، “ولن أتطرَّق إلى مشكلة تفشي إدمان المخدِّرات لأن لديها جانبًا سياسيًا و أمنيًا، و “حاميها حراميها”.

بدوره عمر العلي، الباحث في علم الاجتماع يقول إن الانهيار الاقتصادي والبطالة والفقر وانهيار العملة، وتفكك مؤسسات الدولة وتراجع الخدمات الأساسية كالتعليم والطبابة والكهرباء مع غياب ثقة المواطنين بالنظام السياسي القائم، تُعد عوامل يمكن تصنيفها سوسيولوجيًا بأزمة بنيوية اجتماعية، حيث تعجز المؤسسات عن امتلاك أدوات التنظيم، وتفتقر إلى القدرة الكافية لحماية مواطنيها.

ويضيف نحن نركز هنا على التأثيرات الجانبية Side effects التي أحدثها انهيار الاقتصاد اللبناني والعملة الوطنية في ذات اللبناني خاصة، خصوصًا أن هذا النوع من الأزمات يهدد الأمن الوجودي، إذا ما ارتبطت حياة الفرد بواقعه المادي إلى أن يصبح منتجًا للإحساس بالوجود وأهمية الوجود.

ويذكر العلي كيف ربط عالم الاجتماع أنتوني غيدنز الأمن الوجودي بالصحة النفسية، حيث اعتبر أن “الأمن الوجودي شرط أساسي للصحة النفسية وغيابه يؤدي إلى القلق وعدم الراحة ” سائلًا: أليس هذه حال اللبناني؟ بالاستناد إلى ما أوردته الدراسات والتقارير الحديثة، فإنه لا مجال للشك في أن أزمة الهوية تتهدد المواطن بعد أن أصيب بقلق الوجود. فأي كائن موجود بعد فقدان الإحساس بالوجود وبأمن الوجود؟

وإذا ما أخذنا ظاهرة البطالة، فهي تعتبر نتيجة من الأزمات التي يتخبط بها لبنان، وتترافق مع مهددات الهوية الاجتماعية، لأن العمل في لبنان ليس مصدرًا للمال فقط، بل هو محدد للمكانة الاجتماعية ومصدر للكرامة الإنسانية، وهنا يذكّر العلي بما قاله إميل دوركايم “البطالة تؤدي إلى غياب المعايير أو الضوابط بحيث يصبح الفرد مكتئبًا و عدوانيًا”.

وبرأيه فإن نظرية الضغط الاجتماعي تعتبر أحد أبرز المساعدين السوسيولوجيين في تحليل الأزمة اللبنانية، إذ إن ربطها بما سبق ينتج فكرة مفادها أن فقدان الهوية الاجتماعية يجعل الفرد باحثًا عن ذاته غير مدرك لها، ونرى اليوم كيف وصلت الحال بالمجتمع اللبناني، إلى أزمات تفكك أسري، وعنف أسري، نتيجة غياب الأمن الاقتصادي الذي نؤكد عليه لأنه أمن وجودي لكرامة الفرد ولهويته ومكانته .

وفي الختام، لم يعد مهمًا الاعتراف بأن لبنان يرزح تحت وطأة أزمة بنيوية شاملة للمستويات كافة؛ أزمة يتمثل أحد وجوهها بما نشاهده في الكثير من المناطق اللبنانية من حالات اضطراب نفسي وعقلي، لكن المشهد الأكبر الذي لا يمكن إغفال النتائج المترتبة عنه هو توصيف لبنان بأنه “بلد يحمل في طياته ظاهرة إصابة مواطنيه بتلك الاضطرابات”.

وعندما تعاني الدولة من أزمة بنيوية، فعليها هي قبل أي طرف آخر، ترتيب القدرات التنظيمية والحمائية للمواطنين من أجل إعادة شيء من الثقة بالنظام السياسي لتصل بهم الحال إلى تحقيق الأمن الاقتصادي الذي يعالج معظم الأزمات الاجتماعية والنفسية.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق أبنية مهددة بالسقوط ومواطنون محاصرون تحتها
التالى 2025 كان عام التحوّل في سياسة واشنطن تجاه لبنان