إزاء المعلومات المتداولة عن استعداد فرنسي لاستضافة السياسيين اللبنانيين، رأت المصادر الرئاسية أن التركيز اليوم على الحكومة العتيدة، و"كل شيء في أوانه"، تاركة الأبواب مفتوحة لبادرة من هذا النوع. وتضيف هذه المصادر أنه في "حال قيام حكومة مهمات، سوف نعمل مع آخرين على توفير الدعم الدولي الضروري ليس فقط من أجل معالجة الأوضاع الطارئة المترتبة على انفجار المرفأ، بل لمعالجة الوضع الاقتصادي والمالي والقيام بالإصلاحات البنيوية التي أُجّلت لأسباب سياسية"، في إشارة لما جاء به مؤتمر "سيدر" ربيع عام 2018، والتعهدات التي تقدم بها الوفد اللبناني وقتها ولم يتحقق منها شيء.
وقبل وصوله إلى بيروت، سيقوم ماكرون بمجموعة من الاتصالات "اللبنانية" أهمها برئيسي الجمهورية والبرلمان (ميشال عون ونبيه بري) وبرئيس الحكومة السابق سعد الحريري، وبآخرين، تمهيداً للزيارة. لكنه منذ زيارته الأولى لبيروت، عمد إلى التواصل مع الجهات المؤثرة في لبنان وقد شملت، حسب مصادره، الرئيس الأميركي ورئيس المجلس الأوروبي والمستشارة الألمانية وولي العهد السعودي وولي عهد أبوظبي والرئيس الإيراني وأمير قطر وآخرين، وذلك في إطار المشاورات من أجل توفير نوع من التوافق الدولي حول لبنان ودعم المهمة التي يقوم بها. وحسب الإليزيه، فإن "هناك رؤى مختلفة بين الأطراف" ولكن ثمة «توافق على تجميد الحرب السياسية والتركيز على معالجة الأزمات الملحة وقبول مبدأ أنه، من غير ذلك، لا أحد سيكون رابحاً والجميع سيكونون خاسرين". وتشدد باريس علن أن التواصل مع واشنطن غرضه "التأكد من أننا نسير في الاتجاه نفسه رغم اختلاف الرؤى" ومن بينها وجود "حزب الله" في الحكومة فيما تسعى واشنطن لفرض مزيد من العقوبات عليه وعزله في إطار عملية ليّ الذراع القائمة بينها وبين إيران.
لا تريد باريس، أقله رسمياً، أن تدخل في لعبة الأسماء المرشحة لرئاسة الحكومة أو الدخول إلى الوزارة. لكن ثمة مسائل "إشكالية" في المقاربات، ومنها وجود "حزب الله" في الحكومة. وبهذا الخصوص لم يتغير الموقف الفرنسي وفحواه أن باريس "تتعامل مع الواقع السياسي الموجود" ومنه "حزب الله" الذي تدعوه باريس إلى أن "يمتنع عن القيام بأي عمل من شأنه التصعيد مع إسرائيل مثلما حصل في عام 2006". ويُفهم أن فرنسا لا تعارض وجود "حزب الله" أو من هو قريب منه في الحكومة القادمة التي ستكون بحاجة "لدعم" سعد الحريري الذي أعلن أنه ليس مرشحاً بمعنى أن "يغطيها" سُنياً بحيث لا تستنسخ حالة رئيس الحكومة المستقيل حسان دياب. وعملياً، تريد باريس حكومة جامعة من الأطراف الراغبة في السير في العملية الإصلاحية، وفي التنكب لإعادة بناء المرفأ وما تهدم بسبب الانفجارات، ومحاربة وباء "كوفيد - 19"، ومعالجة الوضعين الاقتصادي والمالي وما يتطلبه من إصلاحات ضرورية، والتحضير للانتخابات التي من شأنها أن "تفتح أفقاً سياسياً جديداً". بيد أن المصادر الرئاسية لم تبيّن ما إذا كانت تراها مبكرة أو في مواعيدها. وبالنسبة للبنك المركزي، ترى فرنسا أنه "جزء من منظومة استُهلكت وثمة حاجة للتغيير بسبب مجموعة من العوامل". وفي تناولها لهذا الملف الشائك، ترى ضرورة القيام بالتدقيق المالي والجنائي، كما أنها تشدد على الحاجة إلى تغيير الممارسات المالية ومنها: استخدام المال العام لمصلحة جميع اللبنانيين، وإجراء إصلاحات عميقة لقطاع الطاقة والكهرباء والجمارك، والتأكد من تحصيل ما يتوجب للدولة، كاشفةً أن البنك المركزي الفرنسي يتعاون مع نظيره اللبناني لتقديم المساعدة... وعزت الفشل في توصل لبنان إلى تفاهم مع صندوق النقد الدولي "لأسباب سياسية".
هكذا تبدو الرؤية السياسية الفرنسية للواقع السياسي اللبناني اليوم ولما تريد فرنسا القيام به. ولخصت المصادر الفرنسية نهج ماكرون بقولها إنه "لن يترك اللبنانيين يعملون على هواهم"، والأرجح أنه يستلهم التجارب السابقة المخيبة للآمال وهو لا يريد أن يحصد فشلاً في ملف استثمر فيه الوقت والجهد ليس رغبةً في الشؤون اللبنانية بل لأن اللبنانيين هم من يطلب المساعدة.