من الخطأ التوقّف عند العبارات المُنمّقة التي سردها الوزير حتي في كتاب الإستقالة والمعادلات الديبلوماسية والسياسية الراقية التي اشار اليها، وما عاناه الرجل في الأشهر الستة التي أمضاها في وزارة الخارجية. فمن دون شك فقد تردّد حتي في قبول المهمة عندما دُعي اليها، فهو لم يكن في وارد الخوض في التجربة الحكومية وهو القادم من عالمه المهني الخاص بعد تجربته الغنية في أقسى المهمات واصعب الظروف التي تجاوزها. فقد عاش ومارس مهماته في زمن الديبلوماسية الراقية إبّان سنوات الخدمة التي امضاها في باريس وروما رئيساً لبعثة الجامعة العربية بعد مهمات أخرى أمضاها مع نظرائه العرب في الجامعة العربية وأجهزتها السياسية والديبلوماسية في سنوات العمر الأكثر إنتاجاً.
كان على حتّي أن يتأقلم والجو الذي واكَب ولادة حكومية وصفت بأنها مستقلة وحيادية، قبل ان يكتشف زيف الوصفة التي أرادتها الحكومة بعدما فشل رئيسها عن قصد او غير قصد في تشكيلها من مجموعة من الوزراء يشبهونه كما قال يومها. كان ذلك قبل ان يرضخ لتركيبة سياسية أرادَته في المواجهة الصعبة في ظل فقدان القرار الاستراتيجي الذي يُعيد وصلَ ما انقطع بين لبنان الرسمي ومجموعة الدول العربية والغربية في مسعى لإنقاذ لبنان وتجنيبه ترددات ما يجري في محيطه. والأصعب من كل ذلك انه كان على حتي خوض أقسى المواجهات الديبلوماسية لترميم ما "خَرّبه" سَلفه في علاقات لبنان الخارجية وقيادتها في عكس التيارات العربية والغربية مُلتحقاً بمحور أبعَد لبنان عن الحلف الدولي الذي كان يشكّل أحد أعضائه منذ ان شكّل في ايلول العام 2014، ولو لم تلتزم الولايات المتحدة الأميركية ببرامج تسليح الجيش لكانت المصيبة اكبر بكثير على لبنان وشعبه.
وأمام هذه المهمة الصعبة امضى حتي أشهراً عدة من العزلة الديبلوماسية التي فرضتها السياسات المعتمدة عن قصد او غير قصد عندما تبدّل موقع لبنان في المنطقة قبل 3 سنوات، وقرر الالتحاق بالمحور المعاند لكل الدول العربية والمؤسسات المانحة ومجموعة الدعم الدولية من اجل لبنان التي كانت توفّر له حماية لم ينعم بها من قبل على أساس التزامه مبدأ "النأي بالنفس"، وهو ما كرّسه التفاهم الذي أنهى مفاعيل الإستقالة التي فرضت على رئيس الحكومة سعد الحريري في تشرين الاول من العام 2017 في الرياض، ولم تفك عقدتها قبل التعهّد بالعودة الى نوع من "لحياد الإيجابي" الذي نَص عليه بيانه في تشرين الثاني من ذلك العام الذي يُبعد لبنان من اتون ما يجري على الساحتين السورية والعراقية الأقرب إليه وانعكاساتهما الخطيرة على تركيبته الطائفية المذهبية الهَشة.