فمع كل إشراقة شمس تسريبة تفاؤلية بقرب الولادة الحكومية، وتضمينها توزيعة للحقائب والأسماء، الأمر الذي يدفع المعنيين بهذه التشكيلة إلى نفي ما تتضمنه هذه التسريبات التفاؤلية، التي قد تنعكس سلبًا على الأجواء العامة، في حال لم تقترن بأي ترجمة فعلية ولم يتمّ التوصل إلى الحدّ الأدنى من التوافق السياسي الداخلي المتأثّر بالعوامل الخارجية الضاغطة لوضع الصيغة الحكومية على السكة الصحيحة، بما يؤمن لها شبه إجماع سياسي، أقله بالنسبة إلى الأحجام التمثيلية الحقيقية وفق ما أفرزته الإنتخابات النيابية الأخيرة، وهي نسب واضحة وجلية، إذا ما أُعتمد معيار واحد من دون إقحام مصالح البعض الضيقة، ومحاولة البعض الآخر الإستئثار بالثلث الضامن في حال تغيّرت المعادلات السياسية القائمة في الوقت الراهن.
وما يعزّز مناخ "التشاؤل" السائد حاليًا، بعدما اصبح الرئيس الحريري على قاب قوسين أو أدنى من الإعتذار، في حال لم يلقَ الحدّ الأدنى من التجاوب مع مساعيه، وهو الذي بات يعيش في هذه الأيام، وأكثر من أي وقت مضى، أجواء سياسية ملبدة في سماء مهمته الصعبة، من دون فقدانه الأمل بالتوصل إلى مبادرة عاجلة لاختراق جدار الأزمة السياسية المستعصية، والتي لم تفلح معها كل محاولات الحلحلة، قبل أن تصل البلاد إلى حافة الخيارات المجهولة والخطرة.
إلاّ أن ما أعلنه رئيس "التيار الوطني الحر" الوزير جبران باسيل في الذكرى الثامنة والعشرين لأحداث 13 تشرين الاول وما أطلقه من مواقف، وصفت بـ"النارية"، قد تكون بمثابة الضربة النهائية القاضية على كل امكانات إعادة العلاقات بين "التيار" و"القوات اللبنانية" إلى ما يقارب التطبيع، ولو بحدوده الدنيا المطلوبة في هذا الظرف المصيري بالذات، مع ما قد تتركه هذه النبرة العالية من توتر يبدو إلى تصاعد بين الفريقين المسيحيين الأكثر شعبية، وفق نتائج الإنتخابات النيابية، وما يمكن أن يتركه هذا التوتر من تأثيرات سلبية اضافية على مهمة الرئيس الحريري في تأليف الحكومة العالقة بين معراب و"ميرنا الشالوحي".
ولا يمكن فصل خطاب باسيل بالأمس عمّا ورد في مقابلته التلفزيونية منذ أيام، الأمر الذي دفع بالنائبة ستريدا جعجع إلى التدخل شخصيّا وتولت مهمة الردّ عليه بالمباشر، وهو تعبير عن مدى الإحتقان السياسي الذي بلغته العلاقة المتوترة بين باسيل ورئيس حزب "القوات" سمير جعجع.
وقد تلت هذه الأجواء ما أفرزته نتائج الإنتخابات الطالبية في مختلف الجامعات الخاصة وفوز "القوات اللبنانية"، مما زاد أجواء التأزم، بعدما وضع جعجع هذا الفوز في خانة التمثيل الشعبي الحقيقي، فجاءه الردّ من باسيل سريعًا، وهو الذي تحدّث عن حرب "الإشاعات والكذب التي تستهدف العهد والبلد "وبدنا نخلصه ولو استشهدنا سياسيا ونريد بناء الجمهورية بعدالتها والشراكة بين مكوناتها ". وقد بلغت مواقفه التصعيدية والنارية ذروتها عندما وصف البعض "ممن كانوا مجرمي حرب واليوم هم مجرمو سلم بفسادهم وكذبهم وعمالتهم"، وقال انهم يستدرجون الخارج لفرض مطالبهم المضخمة التي لا تعكس التمثيل السياسي والشعبي.
فعلى صفيح هذه المواقف، وما يمكن أن يصدر عن مسؤولين قواتيين من ردات فعل حادّة وتصعيدية، يمشي الرئيس المكلف، وكأنه يسير على حبل في سماء تنذر بأمطار غزيرة.