المحطة الأولى كانت في 13 تشرين الأول من العام 1990 يوم أجبر العماد ميشال عون، وكان رئيسًا لحكومة إنتقالية، على الخروج من قصر بعبدا إلى السفارة الفرنسية في الحازمية، بعدما حوّلت المقاتلات السورية هذا القصر إلى ركام، بغطاء وقرار من الشرعية اللبنانية يوم ذاك. ومنذ ذاك التاريخ بدأ "الجنرال" يفكّر بالطريقة المناسبة التي تمكّنه من العودة إليه رئيسًا، وبقرار "شرعي"، وبأصوات بعض ممن غطّى يومها قرار الإجتياح والإطاحة.
فخلال هذه السنوات الطويلة، قضى أكثر من نصفها في المنفى، لم تغب عن بال ساكن "الهوت ميزون" يومذاك، رغمًا عنه، ولاحقًا الرابية، بطيبة خاطر، هذه الفكرة التي كانت هي المحرّك لكل خطواته اللاحقة. فمن "زمور" كان كفيلًا بتوقيف أنصاره، إلى اللون البرتقالي وشعار "الصح" الشبيه بعلامة النصر، إلى "تسونامي" انتخابي، إلى ورقة التفاهم مع "حزب الله"، فالتحالف مع "القوات اللبنانية"، الخصم التاريخي على الساحة المسيحية، بعد عداوة ما سُمي بـ"حرب الإلغاء"، كان "الجنرال" يرى أن النجوم التي كانت على كتفيه ستحمله إلى حيث سبقه إليه عمادان، كانا تحت أمرته العسكرية، يوم كان قبلهما قائداً للجيش. وهذا ما حصل في العام 2016، حين أنتخب رئيسًا للجمهورية، فأصبح القائد الرابع للجيش الذي يصبح رئيسًا من أصل 13.
أما المحطة الثانية، وهي المحطة التي أسّست للمرحلة الثالثة، فكانت في 7 ايار من العام 2005، حين عاد الرئيس عون من منفاه، ليحصد شعبية واسعة تُرجمت في الإنتخابات النيابية، حيث حقّق فوزًا كاسحًا خاصة في كسروان وبعبدا والمتن الشمالي وجزين.
وبالحديث عن هذه المحطات لا بدّ من الإشارة إلى التفاهم الذي سمي بـ"تفاهم معراب"، والذي أسس لمرحلة جديدة في العلاقات التي كانت متوترة بين "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية"، والتي أنهت خلافات عميقة بينهما عمرها من عمر أزمة ما سمي بـ"حرب الإلغاء"، وما نتج عنها من إفرازات في الشارع المسيحي. وقد أثمر هذا التفاهم تأييدًا واضحًا وصريحًا من قبل رئيس حزب "القوات" سمير جعجع لوصول العماد عون إلى سدّة الرئاسة، وهي المحطة الثالثة، حيث كان لـ"الجنرال" ما أراد، فأصبح الرئيس الثالث عشر للجمهورية اللبنانية، ودخل إلى القصر مرة جديدة، وهو الذي خرج منه قبل نحو 26 سنة مكرهًا.
أما المحطة المفصلية، والتي لا تزال تأثيراتها كبيرة على عدم التوافق على تشكيلة حكومية مرتقبة، فهي عودة التوتر إلى العلاقة العونية – القواتية، وعودة التشنج السياسي بينهما، والذي أنعكس توترًا في الجامعات وفي الشارع المسيحي، حتى بلغ التراشق الكلامي حدود القصف العشوائي بين مسؤولي الطرفين، من دون أن تلوح في الأفق بوادر حلحلة، وبالأخصّ على جبهتي رئيس "التيار الوطني الحر" الوزير جبران باسيل وجعجع، بما يؤشر إلى نسف كل الجهود المبذولة لتشكيل حكومة في المدى المنظور، بعدما أسقطت "حرب الجامعات" تفاهم معراب بالضربة القاضية.



