وفيما خصّ المعيار الشخصي، فإنّ رئيس الجمهورية ينطلق من ان القوات والاشتراكي تعاطيا مع عهده بأسلوب سلبي أدى الى تقويضه واظهار حكمه بأنه فاشل فيما عملوا على الصاق تهمة الفساد بالتيار الوطني الحر ووزرائه، ولذلك يصمم عون على كسرهما وهو الذي قال بداية عهده ضمن حلقة ضيقة من مقربين اليه "ان انكساره امام اي فريق ولا سيما الثلاثي الحريري - جعجع - جنبلاط سيجعله في حالة دفاع طيلة العهد»، ولذلك حان الوقت حاليا ليكون في حالة هجوم وتقليص حجمهما.
لهذا تبدو الحسابات المعرقلة لتشكيل الحكومة اكبر من قدرة الدور الفرنسي وتمنيات ماكرون وحراك موفده الى لبنان بيار دوكان لحث المسؤولين على الاسراع بتشكيل الحكومة للحصول على مكاسب مؤتمر سيدر الذي أعدّ خصيصا لانعاش لبنان اقتصاديا، اذ ان الحسابات الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية لا تشكل عبئا على اي مسؤول من داخل حلقة التجاذب الحكومي.
وفي ظل التجاذبات على الحقائب الوزارية، إلى حدّ عدم إمكانية توفيرها لتلبية طلبات القوى السياسية، في موازاة استمرار باسيل بصفته رئيسا لتكتل لبنان القوي بوضع الشروط والمعايير بما يؤشر الى ان العقد تبقى على حالها دون اي حلحلة، يعمل الحريري حسب اوساط نيابية على انه لا يسمع ما تطرحه القوى من شروط وعقد، ومحاولا ارساء تشكيلة قد توصل الى حكومة متوازنة، وفي حال عدم تفاهمه مع عون عليها قد يصل به الأمر الى العزوف عن مهمة التكليف التي اوكلت اليه.
ذلك ان الحريري، تتابع الاوساط، لا يريد استحداث خلاف مباشر مع عون وباسيل على خلفية عدم تساهلهما في تشكيل الحكومة، منعا لعودة الانقسام السياسي الذي ساد في البلاد قبل التسوية الرئاسية بين هذين الجانبين مع ما حمل الامر من صراع مذهبي.
ولذلك يفضل الحريري الخروج من هذه المهمة محافظا على مناخ سياسي هادئ نظرا لتداعيات أي تشنج سلبي على الواقع الاقتصادي المتدهور. وإن قرار العزوف ليس تهويليا بقدر ما هو تحميل المسؤولية للقوى السياسية كافة التي عليها ان تتعاطى بمسؤولية في ظل ما تشهده البلاد من تحديات، لان بعض هذه القوى تمارس حسابات خاصة والأخرى تترجم التزاماتها الخارجية، وبينها من يمارس تصفية الحساب دون تقديره لنتائج ما يطالب به، وفريق يطالب بحقيبة وزارية قد يودي حصوله عليها الى ردة فعل دولية وتقلص الدعم الدولي لها.
وفي مقابل كل ذلك على الحريري أن يترأس حكومة تناقضات يوازن فيها بين الصراع الاقليمي في المنطقة بانعكاس تجاذباته على لبنان، كما عليه ان يؤمن حكومة متوازنة لترضي كلا من الولايات المتحدة والغرب لدعم مؤتمر سيدر" وعليه الا يستفز دول مجلس التعاون الخليجي نظرا لربط لبنان بها على اكثر من صعيد، اضافة لما تحتضن من لبنانيين على ارضها، وكذلك عليه ان يشكل حكومة نأي بالنفس لا تكون عدوة لإيران في ظل رغبة محور الممانعة لتفعّيل العلاقة بين لبنان وسوريا في ظل الاشكالية القائمة بينها وبين المجتمع الدولي والعربي.
اذ في موازاة كل هذه التوازنات التي عليه ان يؤمنها في مقابل تأمين صيغة حكومية ترضي الجميع لتهيئة أرضية استقرار لصالح مؤتمر "سيدر"، تأتي بعض القوى لتعرقل تأليف الحكومة من أجل وزير او حقيبة بما بدفع به لان يخرج من هذه المعادلة الحكومية طالم يتم تضييق الهامش المعطى له، سيما ان الرئيس دونالد ترامب الذي يترأس الولايات المتحدة اليوم، معروف بطباعه الحادة، خاصة تجاه محور المانعة على ما دلت قرارته التصاعدية فيما خص العقوبات على ايران وحزب الله، ولذلك فإن اي ثغرة في تشكيل الحكومة تشكل تحديا للجانب الاميركي قد ترتب على لبنان تداعيات تحوله الى ضحية ثانية لترامب بعد تركيا، فبات من الأفضل عليه ان يعزف عن مهمة التشكيل لكي لا يكون شاهدا على ما سيصيب لبنان من مآسي وهو في سدة الحكومة وتحسب نتائجها السلبية يوما عليه، لان تكليفه لم ينطلق من زاوية زعامته السنية فقط، بل لتمتعه بشبكة علاقات دولية يمكن استثمارها لصالح لبنان، لكن الذي بدا لان التجاوب الدولي يواجه عرقلة محلية تدفع به لان يكون في موقع حرج ويتجه نحو العزوف.