لم ترسُ التفاهمات الروسية – الأميركية بخصوص سوريا حتى الساعة على بر، اذ يسعى كل طرف في المرحلة الراهنة لتحسين شروطه حتى تكون الأوراق التي سيضعها على طاولة أي مفاوضات مقبلة حاسمة بموضوع تأمين أكبر قدر ممكن من مصالحه.
وتُعتبر الورقة الإيرانية راهنا الأبرز في ظل تكثيف واشنطن ضغوطها على طهران للانسحاب من سوريا وكف يدها عن المنطقة. وقد توسطت الولايات المتحدة لدى موسكو للعب دور اساسي في هذا الموضوع، الا أن نتيجة كل هذه الوساطات تبدو حاليا عكسية في ظل المؤشرات التي توحي بتمسك الروس بالورقة الايرانية لتحسين شروطهم التفاوضية مع واشنطن .
وتسوّق موسكو حاليا لخطة دولية بشأن سوريا تقوم على اعادة النازحين السوريين الى بلادهم بالتزامن مع اطلاق عجلة اعادة الاعمار، لكنها فشلت حتى الساعة في اقناع أي من القوى المؤثرة بها، وأبرزها واشنطن والدول الأوروبية التي لا تزال ترفض الانخراط في أي عملية من هذا النوع بانتظار التوصل لحل سياسي شامل للوضع السوري. وتشير المعلومات الى أن الروس يحاولون مؤخرا ربط أي دور يقومون به للضغط على ايران للانسحاب من سوريا بجهوزية القوى الدولية على تمويل عملية اعادة الاعمار التي يقدرونها بنحو 250 مليار دولار وبالقيام بخطوات عملية بملف اعادة النازحين .
وبالرغم من حسم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في تصريح له في تموز الماضي الموقف الروسي من الوجود الايراني في سوريا ، حين قال انه “ليس من الواقعي توقع انسحاب إيران من سوريا، وأن لا تلعب دورا في المنطقة”، الا أن حديثه قبل أيام عن أنه “على كافة القوات الأجنبية المتواجدة في سوريا الانسحاب منها دون دعوة من حكومة البلاد”، أعاد فتح باب المفاوضات مع واشنطن وان كان الدبلوماسي الروسي لم يحدد أصلا في الموقف الذي أطلقه القوى المعنية وما اذا كان يقصد القوات الايرانية أم القوات الأميركية!
وبخلاف الموقف الروسي الذي قد يعتمد في بعض الأحيان “المراوغة” في التعامل مع ملف ايران في سوريا، يبدو الموقف الأميركي حاسما أكثر من أي وقت مضى، وقد أكد مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون قبل أيام أن بلاده أوضحت للجانب الروسي أن خروج القوات الإيرانية من سوريا “أمر ذو أولوية” بالنسبة لواشنطن. وكشف المسؤول الأميركي عن رفض بلاده مقترحا روسيا بوضع قيود جغرافية على تحركات القوات الإيرانية، مقابل تخفيف العقوبات على قطاع النفط الإيراني، مشيرا الى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أخبره بأن “الروس بدروهم يودون رؤية الإيرانيين يعودون إلى ديارهم، لكنهم ليسوا متأكدين من الطريقة التي سيتم بها هذا الأمر”.
وتشير مصادر مطلعة على موقف واشنطن الى أنّه تم مؤخرا تكثيف العمل بالخطة الأميركية لتقويض إيران وكف يدها عن المنطقة، لافتة الى ان أبرز بنود هذه الخطة كان انسحاب واشنطن من الإتفاق النووي وما تلاه من فرض عقوبات جديدة على طهران وأذرعها، مضيفة: “الادارة الأميركية الجديدة تسير بسياسة معاكسة تماما لادارة الرئيس السابق باراك أوباما ، وهي سياسة كانت تعتبر أن طهران قادرة أن تكون جزءا من الحل سواء في سوريا أو المنطقة، أما سياسة إدارة ترامب فتعتبر أن أي توجه من هذا النوع قد يُشعل حربا مذهبية في المنطقة ذات الغالبية السنية”.
وتلفت المصادر الى أن “إدارة ترامب ذهبت بعيدا في خطته الى حد السعي لاسقاط النظام في إيران ، لكنها عادت للتعاطي بواقعية مع الملف مؤخرا من خلال صب جهودها باتجاه تحييد ايران والضغط عليها اقتصاديا لاجبارها للعودة الى طاولة المفاوضات ضعيفة ومنكسرة، فترضخ عندها للشروط الـميركية”.
وتضيف المصادر: “لا شك أن ايران قادرة على مواجهة الضغوطات الاقتصادية الأميركية لفترة خاصة في ظل الدعم الصيني والروسي الذي تتلقاه اضافة لبعض الدعم الأوروبي ، لكن حتى متى تصمد طهران فهذا ما لا يمكن التنبؤ به، خاصة أنها هي أيضا تعول على أن يسقط الرئيس ترامب أولا، نتيجة الأزمات الداخلية التي يتعامل معها في الولايات المتحدة الأميركية”.
أما الروس ، فلا يمتلكون، بحسب المصادر، هامش واسع للتحرك نتيجة الازمة الاقتصادية التي يرزحون أيضا تحتها والتي أدت الى “تراجع مدو” في شعبية بوتين داخل روسيا ، لافتة الى ان “تعلّق موسكو بطهران سببه الرئيسي أنها مكنتها من خوض الحرب في سوريا بأرخض الأثمان، باعتبار أن القوات التابعة لايران هي التي تولت كل العمليات البرية ولا تزال”.
وختمت المصادر: “كل طرف ينتظر أن يركع أو يستسلم الطرف الآخر أولا… ما يحصل في المرحلة الراهنة، لعبة عض أصابع بامتياز”!



