فجأة ومن دون أي مقدمات انفجرت أزمة قروض الاسكان المعمول بها منذ العام 1999 بموجب بروتوكول التعاون بين المؤسسة العامة للاسكان ومصرف لبنان وجمعية المصارف، اذ أوقفت المصارف إعطاء موافقات على القروض السكنية المدعومة مكتفية بترير خطوتها ان مصرف لبنان طلب ذلك منها، على الرغم من ان الاخير كان قد خصص مبلغ 750 مليار ليرة لدعم القروض السكنية لهذا العام.
بدأت التحليلات والتبريرات عن الاسباب التي تقف خلف الخطوة الغير تقليدية، بابلاغ مصرف لبنان عبر الهاتف، وليس من خلال كتاب رسمي، المصارف بالتوقف عن منح كافة القروض المدعومة فوراً، أكانت سكنية أم انتاجية بما فيها قروض مؤسسة "كفالات"، حيث وضعت في خانة نفاذ شريحة القروض المدعومة من مصرف لبنان، وبانتظار وضع المصرف سياسة جديدة، لكن تبليغ المصارف عبر الهاتف، واطالة امد الازمة، واصدار رئيس مجلس الإدارة – المدير العام للمؤسسة العامة للإسكان المهندس روني لحود مذكرة داخلية توجه فيها إلى رئيس المصلحة الإدارية والقانونية في المؤسسة طالبا وقف قبول أي طلب قرض سكني جديد إعتباراً من نهار الإثنين الواقع فيه 09 تموز 2018 وحتى إشعار آخر، يؤكد وجود قطبة مخفيّة لم يعلن عنها.
خلال اجتماع عقده حاكم مصرف لبنان رياض سلامه مع "جمعيّة منشئي وتجّار الأبنية في لبنان" بتاريخ 4/7/2018، شرح للوفد أنه "كان قد خصّص نحو مليارين وثلاثمئة مليون دولار كقروض إسكانيّة طويلة الأمد ومدعومة من البنك المركزي، إضافة إلى نحو 800 مليون دولار مموّلة مباشرة من المصارف الخاصّة واستنفدت كلّها على مدى الثلاثة عشر شهراً من بداية سنة 2017، كذلك أكد أنّ تخصيص رؤوس أموال جديدة من مصرف لبنان لدعم القروض السكنيّة لا يزال مبدئيّاً ساري المفعول بالنسبة للبنك المركزي، ولكنّ حصّة سنة 2018 قد نفدت ويجب انتظار أوائل سنة 2019 لإعادة طرح قروض إسكانيّة مدعومة جديدة،" مع تاكيد الطرفين أن القطاع العقاري في لبنان بعيد كلّ البعد عن الانهيار، وبأنّ ليس هناك أيّ عمليّات إفلاس للشركات العقاريّة كما يُشاع.
لا يمكن لاحد انكار ان وقف قروض الاسكان ادى الى جمود القطاع العقاري، وبالتالي شكلت هذه الازمة ضربة لاصحاب شركات المقاولات، وهو ما دفع رئيس "جمعيّة منشئي وتجّار الأبنية في لبنان" ايلي صوما الى اعتبار أنّ" قرار دعم القروض الإسكانيّة قرار ضروري وواجب وليس خياراً، وهو ركيزة في تحريك الاقتصاد الوطني وعلى الأخص قطاع البناء الذي يشغّل أكثر من ستّين مهنة وصناعة مرتبطة به وهو يشكّل ثلث الاقتصاد الوطني، داعياً الى إعادة النظر بالوقف المفاجئ لدعم القروض الإسكانيّة بهدف فتح المجال للجهات المعنيّة لاستكمال عملية وضع خطّة طوارئ تشكّل حلاًّ فوريّاً وسريعاً ودائماً لمسألة الإسكان، اضافة الى ضرورة دعم جهود المؤسسة العامة للإسكان وسائر المؤسسات الإسكانية لكونها الجهات الأساسية والذراع التنفيذية للدولة في هذا المجال".
نعم قد تكون تحليلات وتبريرات ذوو الشأن مقبولة، لكن ما يحاول هؤلاء اخفاءه، ان قرار وقف القروض السكنية يأتي ضمن سلسلة التضيقات المالية على "حزب الله"، كون معظم شركات المقاولات في لبنان تعود الى مسؤولين في الحزب، وبالتالي فإن خلف اكمة القرار محاولة " سدّ" المنافذ المالية له ومحاصرته اقتصادياً، والدليل على ذلك العقوبات الاميركية السابقة على شركات المقاولات التي يملكها هؤلاء، منها شركة ماهر للتجارة والمقاولات، وشركة الإنماء للهندسة والمقاولات التي يملكها أدهم طباجة، وتبني بعض الدول الخليجية لها حيث عمدت الى تجميد أرصدة ومصادرة ممتلكات مسؤولي وعناصر "حزب الله" المصنفين على قائمة الإرهاب.
واذا سبق لامين عام" حزب الله" حسن نصر الله التأكيد بعد سلسلة العقوبات التي ضمت عشرات الشخصيات التابعة للحزب، أن العقوبات المالية على أفراد ينتمون أو يؤيدون الحزب، لا تضر بالحزب، لأن عملياته المالية لا تتم عبر المصارف، ولاسيما المصارف اللبنانية، وتأكيد مجلس إدارة جمعية مصارف لبنان، التزام القطاع المصرفي اللبناني، بكلّ الظروف، تطبيق قواعد الإمتثال والشفافية والحرص على أدائه المتميز بحسن إدارة المخاطر وباحترام قواعد العمل المصرفي الدولي ولا سيّما القواعد الأميركية والأوروبية ضماناً لانخراط لبنان الآمن والمستدام في المنظومة المالية الدولية... فإن قرار وقف قروض الاسكان يعتبر ضربة غير مباشرة لـ"حزب الله" وان حاول وضع نفسه بعيداً عن هذا الاجراء، فبيع العقارات في الشركات التابعة لمسؤوليه تتم من خلال قروض الاسكان، وبالتالي ان كانت أموال الحزب غير مرتبطة بالمصارف اللبنانية بشكل مباشر فهي مرتبطة بها بشكل غير مباشر.
مرة جديدة يدفع الشباب اللبناني ثمن وجود " حزب الله" وقراراته، وان كانت الإدارة الأميركية تدرك بأن أي استهداف مباشر لـ"حزب الله" داخل لبنان سيؤدي إلى أزمة اقتصادية ستطال كل لبنان وليس فقط الحزب، فإن الضربة الغير مباشر الاخيرة اصابت اللبنانيين في الصميم وحرمتهم من حلمهم في الحصول على شقة الى أجل غير مسمى!